58 صفحة من “الجرائم الإدارية”: مذكرة نقابية تُطالب بإحالة ملف جهة درعة-تافيلالت على مفتشية الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات

هبة زووم – الرشيدية
في وثيقة تُعدّ “قنبلة مؤسسية” بامتياز، أحالت الجامعة الوطنية لعمال وموظفي الجماعات الترابية والتدبير المفوض (المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل) مذكرة تظلم مفصلة تمتد على 58 صفحة إلى والي جهة درعة-تافيلالت، السعيد زنيبر، تكشف عن “خروقات جسيمة”، و”انحراف في استعمال السلطة”، و”احتمال وجود عناصر تأسيسية لأفعال غير قانونية ذات صبغة جنائية” داخل إدارة مجلس الجهة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا لا تُحال هذه المذكرة فوراً على جهتي التحقيق المختصتين: المفتشية العامة لوزارة الداخلية، والمجلس الأعلى للحسابات؟ وأي “مسؤولية” هذه التي تسمح ببقاء ملف بهذه الخطورة حبيس أدراج الولاية، بينما تُهدر حقوق الموظفين، ويُهدد المال العام، وتُشوه هيبة مؤسسة دستورية؟
مذكرة الـ58 صفحة: ليست “شكوى” بل “وثيقة اتهام” تستدعي التحقيق الجنائي
لا يحتاج المرء إلى خبير قانوني ليفهم أن ما ورد في المذكرة النقابية يتجاوز بكثير “خلافًا إداريًا عابرًا”، فالحديث عن “انحراف في استعمال السلطة” هو مفهوم قانوني واضح يُحيل على استخدام الصلاحيات الإدارية لأغراض شخصية أو انتقامية، مما قد يُشكّل جريمة حسب الفصل 236 من القانون الجنائي.
كما أن الحديث عن “شطط في ممارسة السلطة” يُعد إجراءً إدارياً معيباً يُبطل القرار ويُعرض مرتكبه للمساءلة التأديبية والجنائية، أما الإشارة إلى “وقائع كيدية وغير صحيحة” في استفسارات إدارية، فتُشير إلى استخدام الإجراءات الإدارية كـ”سلاح لتصفية الحسابات”، وهو سلوك يُهدد مبدأ “حسن النية” في التدبير العمومي.
وتُعدّ واقعة “منع الموظف من تسجيل مراسلاته في مكتب الضبط” خرقاً صريحاً لحق الدفاع، ولمبدأ “الشفافية الإدارية”، وقد تُشكّل جريمة عرقلة للسير العادي للمرفق العام.
كما يُعدّ “عدم تمكين الموظف من قرار إداري يحدد وضعيته” انتهاكاً لمبدأ “الأمن القانوني” و”الوضوح الإداري” المنصوص عليهما في الدستور وفي القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات.
هذه الوقائع، إذا ثبتت، لا تُبرر فقط “تحقيقاً إدارياً”، بل تستدعي إحالة فورية على المفتشية العامة لوزارة الداخلية للتحقيق في الجوانب التأديبية والجنائية، وعلى المجلس الأعلى للحسابات للتحقق من أي هدر محتمل للمال العام مرتبط بهذه الممارسات.
لماذا المفتشية العامة لوزارة الداخلية؟ لأن “الشطط” جريمة لا “خطأ إداري”
تتمتع المفتشية العامة لوزارة الداخلية بصلاحيات واسعة للتحقيق في “الشطط في استعمال السلطة” و”انحراف المرفق العام عن غايته”، حسب الظهير الشريف رقم 1.02.234 المنظم لها، فالمذكرة النقابية، بوثائقها الـ58 صفحة، تُقدّم أدلة أولية على استغلال المنصب لاتخاذ إجراءات انتقامية ضد موظف.
كما تُشير الوثائق إلى احتمالية تزوير وقائع في استفسارات إدارية، مما قد يُشكّل جريمة شهادة زور أو تزوير في محررات إدارية، وعرقلة حق الموظف في الدفاع، عبر منعه من تسجيل مراسلاته، تُهدد مبدأ “التوازن في الإجراءات” وتستدعي تدخلاً عاجلاً من جهات الرقابة.
إن ترك هذه الاتهامات دون تحقيق من طرف المفتشية العامة يُرسل رسالة خطيرة مفادها أن “الشطط في السلطة” مسموح به إذا كان الضحية “موظفاً عادياً”، وأن المحاسبة انتقائية لا تطال إلا “الضعفاء”.
لماذا المجلس الأعلى للحسابات؟ لأن “الانحراف الإداري” قد يكون “هدراً مالياً”
لا تنفصل “الاختلالات الإدارية” عن “الهدر المالي”، فحين يُمنع موظف من ممارسة مهامه بشكل قانوني، أو حين تُتخذ قرارات “كيدية” تؤثر على مساره المهني، فإن التكلفة لا تقتصر على “المعاناة الشخصية”، بل تمتد إلى تكاليف التقاضي التي تتحملها المؤسسة في حالة رفع الموظف لدعاوى قضائية.
كما قد تترتب عن هذه الممارسات تعويضات محتملة في حالة إثبات التعسف في الفصل أو الإضرار المعنوي، ولا يُغفل أيضاً هدر الكفاءات عندما يُجبَر موظف مؤهل على الانسحاب أو التقاعد المبكر بسبب ممارسات تعسفية.
ويُعدّ تآكل الثقة في المؤسسة من أخطر التبعات، مما يُضعف إنتاجية الفريق ويهدر الموارد البشرية، والمجلس الأعلى للحسابات، بموجب الدستور والقانون التنظيمي رقم 12.94، مُكلّف بمراقبة تدبير الأموال العمومية، والكشف عن أي “هدر” أو “سوء تدبير”، فإحالة الملف عليه ليست “رفاهية”، بل واجب دستوري لضمان أن لا تتحول “الخلافات الإدارية” إلى “ثغرات مالية” تُهدر أموال دافعي الضرائب.
والي الجهة: بين “مكتب الضبط” و”واجب الإحالة”
تكتسي إحالة الملف إلى والي الجهة، السعيد زنيبر، بعداً استراتيجياً حاسماً، فبصفته ممثلاً للسلطة الحكومية، ومراقباً على شرعية قرارات المجالس الترابية، يُفترض أن يلعب الوالي دور “جسر الإحالة” بين “الشكاية النقابية” و”جهات التحقيق المختصة”.
لكن السؤال المحرج: لماذا لم يُحِل والي الجهة المذكرة النقابية فوراً على المفتشية العامة لوزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات؟ هل ينتظر “رد مجلس الجهة” على اتهامات جسيمة تُشير إلى “أفعال جنائية”؟ هل يخشى “فتح ملف” قد يُحرج مسؤولين محليين؟ أم أن “ثقافة التستر” لا تزال أقوى من “واجب المحاسبة”؟
إن أي تأخير في إحالة الملف يُفسر كـ”تواطؤ ضمني” مع الممارسات المشبوهة، ويُهدر مبدأ “سيادة القانون” الذي يُفترض أن يحميه الوالي قبل أي شخص آخر.
من “الوثيقة” إلى “التحقيق العاجل”
لم يعد مقبولاً أن تُترك مذكرة بحجم 58 صفحة، مدعمة بوثائق، ومُتحدثة عن “أفعال جنائية محتملة”، دون إحالة فورية على جهات التحقيق المختصة، ما يحتاجه المواطنون والموظفون والمهتمون بالشأن العام اليوم هو إحالة عاجلة وملزمة للمذكرة النقابية على المفتشية العامة لوزارة الداخلية، لفتح تحقيق في الجوانب التأديبية والجنائية للملف.
كما يتطلب الأمر إحالة موازية على المجلس الأعلى للحسابات، للتحقق من أي هدر مالي مرتبط بالممارسات المشبوهة المذكورة في المذكرة، ولا بد أيضاً من ضمان حماية الشهود والموظف المعني من أي انتقام أو تضييق، تطبيقاً لمبدأ “حماية المبلّغين عن الفساد”.
ويُنتظر من السلطات اعتماد شفافية كاملة في مراحل التحقيق، مع نشر تقرير مرحلي يطمئن الرأي العام على جدية المعالجة، وأخيراً، يجب أن تكون هناك محاسبة صارمة لكل من يثبت تورطه في “انحراف السلطة” أو “هدر المال العام”، لضمان ردع حقيقي يقطع مع ثقافة الإفلات.
إما إحالة تُنقذ الهيبة وإما استمرار في “ثقافة التستر”
ما تعيشه جهة درعة-تافيلالت مع “مذكرة الـ58 صفحة” ليس “خلافاً إدارياً عادياً”، بل هو اختبار وجودي لمصداقية دولة القانون وقدرة المسؤولين على تجاوز “عقلية التستر” لخدمة مبدأ المحاسبة.
فإما أن يُحِيل والي الجهة الملف فوراً على المفتشية العامة لوزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات، لضمان تحقيق نزيه وكشف الحقيقة، وإما أن يستمر “نهج الصمت” الذي يُحوّل المؤسسات الترابية إلى “محميات للإفلات” ويُهدر ثقة المواطنين في عدالة الدولة.
الموظفون ينتظرون والمواطنون يراقبون والمال العام ليس “غنيمة” يُتصرف فيها بحرية، فإما إحالة شجاعة تُنقذ الهيبة، وإما استمرار في “ثقافة التستر” التي تُضيع الحقوق وتُهدر الثقة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد