هبة زووم – الرباط
في زمن تُصبح فيه الأمن الغذائي مجرد شعار يتردد في الخطابات الرسمية، والسيادة الزراعية هدفاً يعلق على الجدران بينما تتراجع المحاصيل في الحقول، يتحول السوق المغربي من فضاء للاكتفاء الذاتي إلى نموذج صارخ لانهيار مخطط طموح التهم ملايير الدراهم دون أن يضمن للمواطن أبسط حقوقه: لقمة خضار في طبقه اليومي.
مشهد لا يُثير فقط استياء المستهلكين، بل يطرح سؤالاً مُحرجا: إذا كان المغرب الأخضر يستهلك الملايير بينما نستورد حتى البصل من هولندا، فكيف ننتظر من هذا المخطط أن يكون ضامناً للأمن الغذائي؟ وأي مسؤولية هذه التي تسمح للفشل الممنهج بأن يُغرق موائد المغاربة في بحر من العجز والعجز؟
فبينما يشهد السوق المغربي هذا العام نقصاً ملحوظاً في عدة خضروات، من بينها البطاطس والبصل والخضروات المبكرة، لا يزال المواطن ينتظر إجابة واحدة تفسر له أين ذهبت ملايير المغرب الأخضر
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث التخطيط بينما يُترك المواطن يتفرج على مائدته وهي تُستورد من الخارج؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل الاستراتيجية الفلاحية من رافعة للاكتفاء إلى ذريعة لتبرير العجز؟
فحين تتحول الفجوة الموسمية إلى عجز بنيوي، فإن أي مواطن يصبح ضحية لهذا الانزياح، فها هي المحاصيل تتراجع في تمحضيت وحوضي فاس ومكناس، وها هي أسعار الخضر ترتفع، وها هي موائد الأسر تُفرغ من أبسط مكوناتها، بينما تُترك العائلات تدفع الثمن وحدها.
وفق تصريحات عمر القيسي، تاجر في سوق الجملة بالدار البيضاء ومستورد للمنتجات الزراعية، لموقع “freshplaza” الإسباني المتخصص، فإن نقص البصل الأصفر هذا العام “أعمق ويستمر لفترة أطول من المعتاد”، مما اضطر التجار والمستهلكين للجوء إلى أصناف بديلة، بينما يبقى الحل الأكثر فعالية -بحسبه- هو الاستيراد.
وقد استورد المغرب كميات كبيرة من البصل الهولندي مقارنة بالسنوات السابقة، بسبب الجمع بين النقص المحلي والأسعار التنافسية للمنتج الأجنبي.
والأخطر، حسب القيسي، أن فترة الاستيراد قد تطول أبعد من المعتاد، حيث كانت العادة أن ينحصر العجز بين يناير ومارس، لكن المؤشرات الحالية تشير إلى استمرار ضعف الإنتاج المحلي لأشهر قادمة.
هذا الواقع يضع الاستيراد كدعامة أساسية لتغطية احتياجات السوق، في اعتراف ضمني بأن المخطط الفلاحي الوطني لم ينجح بعد في تحقيق الاكتفاء الذاتي حتى في مواد أساسية كالبصل.
هنا يطرح السؤال نفسه بقوة: أين ذهبت ملايير الدراهم التي ضخت في المغرب الأخضر؟ وكيف نفسر أن بلداً زراعياً تقليدياً مثل المغرب يصبح رهينة الاستيراد الخارجي لتأمين أبسط مكونات مائدته؟
الإجابة لا تكمن فقط في العوامل المناخية، بل في اختلالات بنيوية أعمق: تركيز الإنتاج في مناطق محددة معرضة للمخاطر، ضعف آليات التأمين الفلاحي، غياب استراتيجية متنوعة ومتكيفة مع التغيرات المناخية، وربما الأهم غياب الشفافية والمحاسبة في تدبير الأموال العمومية الموجهة للفلاحة.
المواطن المغربي اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطلب تفسيراً واضحاً لسبب ارتفاع أسعار الخضر، وضماناً بأن الدولة تبذل كل ما في وسعها لتأمين غذائه بأسعار معقولة، لكن حين يتحول البصل الهولندي إلى حل دائم وليس استثناءً ظرفياً، فإن الثقة في السياسات الفلاحية تتآكل، ويصبح الحديث عن “الأمن الغذائي” مجرد شعار فارغ.
وزارة الفلاحة مدعوة اليوم إلى أكثر من بيانات التبرير، فالمغاربة ينتظرون خطة استعجالية واضحة تشمل: دعم الفلاحين المتضررين من العوامل المناخية، تنويع مناطق الإنتاج لتقليل المخاطر، تعزيز سلاسل التخزين والتوزيع لتجنب الهدر، والأهم: فتح تحقيق شفاف في مخرجات “المغرب الأخضر” ومحاسبة كل من ثبت تقصيره في تدبير الأموال العمومية.
فالاستيراد ليس عيباً في حد ذاته، لكن أن يصبح حلاً دائماً لمواد كان من المفترض أن ننتجها محلياً، فهذا مؤشر خطر على سيادتنا الغذائية، والمواطن الذي يدفع ثمن الفاتورة يستحق أكثر من الصمت يستحق شفافية في التدبير، وكفاءة في التنفيذ، ومحاسبة عند الفشل.
في النهاية، الأمن الغذائي ليس رفاهية، بل حق دستوري، والمغرب الذي يملك إمكانيات فلاحية هائلة، يستحق سياسة فلاحية طموحة تحقق الاكتفاء، لا تعتمد على الاستيراد، والبصل الهولندي قد ينقذ الموسم، لكنه لن ينقذ المصداقية.
تعليقات الزوار