هبة زووم – حسن لعشير
لم يكن انهيار منزل قديم بحي الملاح مجرد حادث عرضي عابر، بقدر ما هو إنذار جديد يُعيد طرح ملف المنازل الآيلة للسقوط بإلحاح، ويكشف حجم التأخر في معالجة قنبلة عمرانية موقوتة تهدد أرواح المواطنين في عدد من المدن المغربية، وعلى رأسها تطوان.
فالحادثة التي وقعت، ليلة أول أمس الخميس، حيث انهار منزل قديم بحي الملاح العتيق بمدينة تطوان، دون إصابات بشرية، حسب البلاغات الرسمية، جملة قد تُقرأ كنفس مطمئن، لكنها في الواقع تحمل في طياتها اعترافاً ضمنيًا بمقامرة مؤسسية بأرواح المواطنين: فالحظ وحده هو من منع وقوع كارثة إنسانية هذه المرة، لكن من يضمن أن الحظ سيكون حليفنا في المرات القادمة؟
فالمنزل المنهار، حسب المعطيات، كان ضمن المنازل الآيلة للسقوط، وظهرت عليه تشققات خطيرة، وكان يشكل خطراً على الساكنة، أسئلة بسيطة لكنها قاسية: إذا كانت كل هذه المؤشرات متوفرة فلماذا لم تتدخل السلطات قبل سقوط الركام؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تنتظر الانهيار لتتحرك، بينما كانت التشققات تصرخ بالخطر الوشيك؟
هذا التأخر في التدخل يطرح أكثر من سؤال حول فعالية برامج إعادة التأهيل، وجدوى الإحصاءات التي تُنجز سنويًا دون أن تُترجم إلى إجراءات عملية على الأرض. فكم من منزل آخر ينتظر دوره في الانهيار؟ وكم من أسرة تعيش اليوم تحت سقف مهدد بالسقوط في أي لحظة؟
تدخل عناصر الوقاية المدنية لوضع حواجز حديدية بعد الحادث، وفتح تحقيق من طرف المصالح الأمنية، يبقى إجراءً ضروريًا، لكنه يندرج في إطار تدبير ما بعد الكارثة، لا منع وقوعها، وهو ما يعكس منطقًا تدبيريًا يكتفي برد الفعل بدل الاستباق.
اللافت أن مثل هذه الحوادث تتكرر بشكل شبه موسمي، خصوصًا مع تساقط الأمطار، حيث تتحول الرطوبة والتقادم إلى عاملين قاتلين يُسرّعان انهيار بنايات مهترئة، في غياب صيانة دورية أو حلول جذرية لإعادة إسكان القاطنين أو ترميم المساكن المهددة.
في الأحياء العتيقة، حيث القيمة التاريخية تقابلها هشاشة البنية، يصبح الإهمال أكثر كلفة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بحجارة تتساقط، بل بذاكرة عمرانية مهددة بالاندثار، وساكنة تعيش بين الخوف والإكراه.
ما حدث في الملاح بتطوان ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة من الانهيارات التي تكشف عن فجوة واضحة بين التشخيص والمعالجة، فالقوائم موجودة، والخطر معلوم، لكن الإرادة الفعلية للتدخل الحاسم ما تزال مؤجلة.
فإما أن تتحول وعود الحماية من كلمات في بلاغ إلى إجراءات وقائية على الأرض، مع إرادة سياسية حقيقية ومحاسبة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة الانتظار التي تُحوّل المسؤولية من تكليف لإنقاذ الأرواح إلى مغنم للتأجيل وتُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على حماية تراثهم وحياتهم.
تعليقات الزوار