المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يوصي بتطوير آلية لتدبير الودائع في مهنة العدول

هبة زووم – الرباط
في وقت يُفترض أن يشكل فيه إصلاح منظومة العدالة رافعة أساسية لحماية الحقوق وتعزيز الثقة في المعاملات، كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن ثغرات مقلقة في مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول، ثغرات قد تُبقي الباب مفتوحًا أمام اختلالات تمس جوهر الأمن التعاقدي للمواطنين.
المجلس، وفي رأي صريح لا يخلو من نبرة تحذيرية، دعا إلى تمكين العدول من آلية قانونية واضحة ومؤطرة لتدبير الودائع، بما يضمن حماية أموال المتعاقدين ويمنع أي تصرف غير مشروع فيها إلى حين استكمال المساطر القانونية. توصية تبدو، في عمقها، اعترافًا ضمنيًا بوجود فراغ تشريعي خطير، ظل لسنوات يضع حقوق الأطراف على كفّ المخاطر.
الأمر لا يتعلق فقط بتقنية قانونية أو إجراء إداري، بل بمسألة ثقة في مؤسسة يفترض أن تكون ضامنة للأمن القانوني. فغياب آلية واضحة لتدبير الودائع يجعل الأموال عرضة للتجميد أو سوء التدبير، وربما للتلاعب، في ظل بطء المساطر وتعقيدها.
ولم يتردد المجلس في تشخيص مكامن الخلل، مشيرًا إلى أن عدداً من الإجراءات المرتبطة بالعقود العدلية، من قبيل خطاب القاضي وإجراءات التسجيل، تساهم بشكل مباشر في إطالة أمد استكمال المساطر، ما ينعكس سلبًا على مصالح المتعاقدين، خاصة في المعاملات الحساسة المرتبطة بالعقار والأصول التجارية.
هذه الوضعية تكشف مفارقة صارخة: منظومة يُراد لها أن تؤمن المعاملات، لكنها تتحول بفعل تعقيداتها إلى مصدر قلق وعدم يقين. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة مشروع القانون الحالي على تجاوز أعطاب الماضي، أو أنه سيكتفي بإعادة إنتاجها في صيغة جديدة.
الأخطر في ملاحظات المجلس هو تحذيره من إكراهات إضافية قد تعرقل إضفاء الطابع الرسمي على الوثائق العدلية، ما يعني عمليًا تعطيل مصالح المواطنين وإضعاف فعالية التعاقد، في وقت تتجه فيه الدولة إلى تبسيط المساطر وتسريعها.
ورغم أن رأي المجلس يندرج ضمن مقاربة تحليلية شمولية، دون الغوص في التفاصيل التقنية الدقيقة، إلا أنه يسلط الضوء على جوهر الإشكال: غياب التوازن بين النص القانوني ومتطلبات الواقع العملي. فالقانون، مهما بلغت دقته، يفقد قيمته إذا لم يكن قابلاً للتنزيل السلس والفعّال.
إن ما كشف عنه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يعيد طرح سؤال الإصلاح الحقيقي لمنظومة العدالة: هل نحن أمام إرادة لتقوية الضمانات القانونية وحماية حقوق المواطنين، أم أمام نصوص تُرحّل الأزمات بدل حلّها؟
في النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذه التوصيات إلى مقتضيات ملزمة، لا مجرد آراء استشارية تُضاف إلى أرشيف التقارير. لأن حماية أموال المواطنين ليست خيارًا تشريعيًا، بل ضرورة لضمان الاستقرار القانوني والاقتصادي، وصون الثقة في مؤسسات العدالة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد