هبة زووم – متابعات
في تشخيص صادم، وضع تقرير حديث صادر عن البنك الدولي الأصبع على واحدة من أعمق مفارقات الاقتصاد المغربي: نموٌ مستمر بالأرقام، يقابله عجزٌ مزمن في خلق فرص الشغل.
فبينما يفاخر المغرب بمعدلات نمو مستقرة واستثمارات عمومية ضخمة، تكشف المعطيات أن هذا “النجاح” لا ينعكس على حياة مئات الآلاف من الباحثين عن عمل، الذين يغادرون سوق الشغل في صمت.
التقرير، المعنون “Scaling the Atlas: Growth and Jobs for a Prosperous Morocco”، لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يفكك بنيتها: اقتصاد يضخ استثمارات هائلة، لكنه عاجز عن تحويلها إلى وظائف.
فمنذ سنة 2000، يسجل المغرب عجزًا سنويًا يقارب 215 ألف منصب شغل، ارتفع بشكل مقلق إلى 370 ألفًا في السنوات الأخيرة، ما يعني أن فجوة التشغيل لم تعد عرضية، بل أصبحت بنيوية.
المفارقة الأخطر أن هذا النمو نفسه يقوم على أسس هشة. فبدل أن يكون نتيجة تحسن الإنتاجية والابتكار، يعتمد أساسًا على تراكم رأس المال.
وبلغة أوضح، الاقتصاد المغربي “يشتري النمو” عبر الإنفاق العمومي، بدل أن “يصنعه” عبر دينامية المقاولة ورفع الكفاءة. والنتيجة: مشاريع ضخمة، طرق وموانئ وبنيات تحتية… دون أثر يُذكر على التشغيل.
هذا الاختلال يمتد إلى النسيج المقاولاتي. فالمغرب يتوفر على مئات الآلاف من الشركات، لكن غالبيتها الساحقة صغيرة جدًا، عاجزة عن النمو أو خلق فرص عمل حقيقية، بينما الشركات الكبرى، رغم هيمنتها، لا تقدم الأداء الإنتاجي المنتظر. إنها مفارقة اقتصاد بلا قاطرة تشغيل.
أما سوق الشغل، فيعيش أزمة مزدوجة: فائض في الكفاءات مقابل ضعف في الطلب. آلاف الخريجين يجدون أنفسهم في وظائف لا تليق بمؤهلاتهم، أو خارج السوق تمامًا. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بسوء توجيه، بل بفشل هيكلي في ربط التعليم بحاجيات الاقتصاد.
النساء بدورهن يدفعن الثمن الأكبر. فمعدل مشاركتهن الهزيل يعكس ليس فقط عوائق اجتماعية، بل أيضًا عجز السياسات العمومية عن إدماج نصف المجتمع في الدورة الاقتصادية.
نفس الشيء ينطبق على العالم القروي، حيث التغيرات المناخية دمرت مئات الآلاف من الوظائف الفلاحية، دون بدائل حقيقية في المدن، ما أدى إلى تضخم الاقتصاد غير المهيكل.
مقارنة بتجارب دولية مثل فيتنام وإندونيسيا، يبدو الفارق صارخًا: هناك، تم تحويل النمو إلى فرص شغل عبر التصنيع والتصدير، بينما لا يزال المغرب حبيس نموذج يعتمد على الطلب الداخلي والاستثمار العمومي.
ما يكشفه تقرير البنك الدولي ليس مجرد أرقام، بل أزمة نموذج، فالمغرب اليوم لا يواجه أزمة نمو، بل أزمة عدالة اقتصادية: كيف يمكن لاقتصاد أن ينمو دون أن يُشغّل؟ وكيف يمكن لأرقام إيجابية أن تخفي واقعًا اجتماعيًا مأزومًا؟
الجواب واضح وصعب في الآن نفسه: بدون إصلاحات عميقة تعيد توجيه الاقتصاد نحو الإنتاجية، وتحرير المبادرة، وربط الاستثمار بالتشغيل، سيظل المغرب يراكم “نموًا بلا أثر”… ويؤجل الانفجار الاجتماعي بدل أن يمنعه.
تعليقات الزوار