شركة بني ملال-خنيفرة متعددة الخدمات من حلم الإصلاح إلى كابوس التدبير

هبة زووم – بني ملال
لم يمر وقت طويل على إطلاق تجربة الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة بني ملال خنيفرة حتى بدأت ملامح اختلالات عميقة تطفو على السطح، كاشفةً عن فجوة مقلقة بين وعود النجاعة التي رافقت التأسيس، وواقع تدبيري يزداد تعقيدًا يوماً بعد يوم.
فبدل أن تتحول هذه المؤسسة إلى نموذج في تحسين خدمات الماء والكهرباء والتطهير، باتت عنواناً لتصاعد التذمر واتساع دائرة الانتقادات.
منذ الأسابيع الأولى لانطلاقها، برزت مؤشرات تعثر واضحة في معالجة ملفات المرتفقين، والتدخلات التقنية، وتوفير التجهيزات الأساسية كعدادات الكهرباء.
ورغم تعدد التنبيهات الإعلامية والنقابية، ظل التعاطي الرسمي باهتاً، ما عمّق الإحساس بغياب التفاعل الجدي مع مشاكل ميدانية تمس الحياة اليومية للمواطنين.
التصعيد النقابي الأخير لم يكن معزولاً، بل جاء تتويجاً لحالة احتقان متراكمة داخل المؤسسة، اتهامات مباشرة وُجهت للإدارة الجهوية، تتحدث عن تراجع مكتسبات مهنية، وتهميش كفاءات تقنية راكمت خبرة لسنوات، مقابل صعود منطق إقصائي في تدبير الموارد البشرية.
هذه المؤشرات، وفق متتبعين، لا تعكس فقط أزمة تسيير داخلي، بل تمتد آثارها لتطال جودة الخدمات المقدمة، وتُضعف قدرة المؤسسة على الاستجابة لانتظارات المرتفقين.
أخطر ما في المشهد ليس فقط التوتر الاجتماعي، بل الانهيار الحاد في المؤشرات المالية، فانتقال نسبة التحصيل من أكثر من 99% إلى أقل من 40% في ظرف وجيز، ليس مجرد تراجع عابر، بل مؤشر على خلل بنيوي في منظومة التدبير والتحصيل.
هذا الانحدار يطرح أكثر من علامة استفهام: هل يتعلق الأمر بضعف الحكامة؟ أم بغياب آليات المراقبة؟ أم بانفلات في تدبير العلاقة مع الزبناء؟
في جميع الحالات، النتيجة واحدة: مؤسسة مهددة بفقدان توازنها المالي.
ضعف التحصيل لا يعني فقط أرقاماً على الورق، بل يهدد بشكل مباشر استمرارية المشاريع الاستراتيجية، من تعميم الماء الصالح للشرب إلى توسيع الشبكات الكهربائية والتطهير السائل.
ومع تزايد الالتزامات الاستثمارية، يصبح أي اختلال مالي عاملاً قاتلاً قد يدفع بهذه الأوراش نحو التأجيل أو التجميد، ما ينعكس سلباً على التنمية المحلية ويُعمّق الفوارق المجالية داخل الجهة.
اللافت في هذا الملف هو الغياب شبه التام لأي تواصل رسمي يواكب هذه التطورات، في وقت يتسع فيه نطاق التذمر الشعبي والنقابي. هذا الصمت لا يساهم إلا في تغذية الشكوك حول طبيعة الاختلالات وحجمها، ويعزز الانطباع بأن الأمور تُدار بمنطق رد الفعل بدل الاستباق.
أمام هذا الوضع المتأزم، لم يعد الحديث عن تدخل مركزي ترفاً سياسياً، بل ضرورة ملحة. فالأمر يتعلق بمرفق عمومي استراتيجي، وأي اختلال في تدبيره ينعكس مباشرة على حياة المواطنين وثقتهم في المؤسسات.
فتح تحقيق إداري ومالي، وإعادة تقييم نموذج الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة… كلها خطوات باتت مطروحة بإلحاح.
ما يجري اليوم داخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة بني ملال خنيفرة ليس مجرد تعثر تقني عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إنجاح نماذج التدبير الجديدة.
فإما أن تتحول هذه التجربة إلى قصة إصلاح ناجح عبر تصحيح الاختلالات بشجاعة، أو أن تنزلق إلى نموذج آخر يضاف إلى سجل الفرص الضائعة، حيث تضيع الوعود بين أرقام متراجعة وخدمات لا ترقى لتطلعات المواطنين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد