محاكمة مبديع.. حين يتحول “سوء التدبير” إلى شماعة للهروب من المساءلة

هبة زووم – الدار البيضاء
عاد ملف محمد مبديع، الوزير السابق ورئيس جماعة الفقيه بنصالح، إلى واجهة الجدل من جديد، بعدما حاول دفاعه خلال جلسة محاكمته بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء تفكيك التهم الثقيلة الموجهة إليه، عبر تقديم رواية مضادة تعتبر أن ما يجري لا يعدو أن يكون مجرد “اختلالات تدبيرية” تم تضخيمها وتحويلها إلى ملف جنائي ذي طابع سياسي وإعلامي.
هيئة الدفاع اختارت التركيز على نقطة أساسية: شرعية ثروة مبديع ومصادر أمواله، مؤكدة أن الرجل راكم ممتلكاته منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال أنشطة فلاحية وتجارية، وأن الكشوفات البنكية تثبت قانونية موارده المالية.
لكن خلف هذا الخطاب الدفاعي، تبرز أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة التي ظلت تجمع المال بالسلطة داخل عدد من الجماعات الترابية، حيث يصبح من الصعب أحياناً الفصل بين “النجاح التجاري” وامتيازات النفوذ السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسؤول منتخب ظل لعقود في مواقع القرار والتدبير.
الدفاع شدد أيضاً على ضرورة التمييز بين “سوء التدبير الإداري” و”الجرائم المالية”، في محاولة واضحة لنزع الطابع الجنائي عن الاختلالات التي يتابع بسببها مبديع، معتبراً أن الأمر يتعلق بأخطاء في التدبير لا ترقى إلى مستوى الاختلاس أو تبديد المال العام.
غير أن هذا الطرح يفتح بدوره باباً واسعاً للنقاش: إلى أي حد يمكن الاستمرار في تبرير الاختلالات المتكررة داخل تدبير الشأن العام باعتبارها مجرد “أخطاء إدارية”؟ وهل أصبح سوء التدبير نفسه ظاهرة عادية إلى درجة تفريغه من أي مسؤولية سياسية أو قانونية؟
الأكثر إثارة في الجلسة كان محاولة الدفاع تفسير قضية السيارة الفارهة، التي تقول النيابة العامة إن ثمنها تم أداؤه من طرف صاحب مكتب دراسات تربطه صفقات بالجماعة، على أنها مجرد “علاقة صداقة” لا تحمل أي شبهة رشوة أو اتفاق سري.
تبرير من هذا النوع أعاد إلى الواجهة إحدى أكثر الإشكالات حساسية في قضايا الفساد، وهي الحدود الفاصلة بين العلاقات الشخصية والمصالح المرتبطة بالصفقات العمومية.
فحين يقدم شخص تجمعه مصالح مالية مع جماعة ترابية هدية أو خدمة لمسؤول منتخب، يصبح الحديث عن “الصداقة البريئة” أمراً يصعب ابتلاعه لدى الرأي العام.
فالنيابة العامة، في جلسات سابقة، تحدثت عن معطيات دقيقة تتعلق بطريقة أداء ثمن السيارة، عبر شيكين ومبلغ نقدي يتجاوز 100 ألف درهم، وهو ما تعتبره مؤشراً على وجود شبهة منفعة مرتبطة بالصفقات العمومية.
ومهما كانت مآلات الملف قضائياً، فإن محاكمة مبديع تحولت إلى مرآة تعكس جانباً من أزمة الثقة التي يعيشها المواطن تجاه تدبير المال العام، خاصة في ظل توالي ملفات المنتخبين والمسؤولين المتابعين في قضايا اختلاس وتبديد ورشوة.
كما أن تكرار خطاب “سوء التدبير” و”غياب النية الإجرامية” في ملفات بهذا الحجم، يزيد من شعور الرأي العام بأن الفساد الإداري والمالي تحول لدى البعض إلى مجرد “هفوات تقنية” قابلة للتبرير، بدل اعتباره خطراً حقيقياً يهدد مصداقية المؤسسات ويقوض أسس العدالة الاجتماعية.
ويبقى الرهان اليوم ليس فقط في إصدار الأحكام القضائية، بل في ترسيخ ثقافة سياسية وإدارية تجعل من المسؤولية العمومية تكليفاً يخضع للمحاسبة الصارمة، لا مجالاً لتداخل المصالح والعلاقات الشخصية مع تدبير المال العام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد