النواصر: دورة ماي ببوسكورة تفضح “أخطبوط” التدبير المفوض وتُسقط ورقة التوت عن المجالس المنتخبة
هبة زووم – أحمد الفيلالي
ما وقع خلال الدورة العادية لشهر ماي بجماعة بوسكورة لم يكن مجرد نقاش عادي بين منتخبين حول نقاط مدرجة في جدول الأعمال، بل كان لحظة سياسية وإدارية كاشفة عرّت واقع التدبير المحلي بالإقليم، وأسقطت آخر الأقنعة عن حجم النفوذ الذي أصبحت تمارسه شركة التنمية المحلية النواصر داخل الجماعات الترابية، إلى درجة بات معها المنتخب نفسه يبدو مجرد “كومبارس” داخل مسرحية تُكتب فصولها خارج أسوار المجالس المنتخبة.
الدورة التي كان يفترض أن تكون محطة لمناقشة قضايا الساكنة ومشاكل التنمية المحلية، تحولت إلى فضاء لتمرير قرارات ثقيلة وسط ارتباك واضح، وغضب مكتوم، وأسئلة محرجة حول من يحكم فعلاً داخل بوسكورة: هل المجلس الجماعي المنتخب من طرف المواطنين؟ أم شركة التنمية المحلية التي تمددت بشكل مخيف حتى أصبحت أشبه بـ”دولة داخل الدولة”؟
أولى فضائح الدورة انفجرت مع طرح نقطة تتعلق بمنح نسبة 6 في المائة من قيمة هبة عينية تناهز 40 مليون سنتيم لفائدة شركة التنمية المحلية النواصر، فقط لأن شركة خاصة قامت بغرس أشجار وتزيين الطريق الرابطة بين مدار “البريكولاج” و”المدينة الخضراء”.
الصدمة لم تكن فقط في الرقم، بل في المنطق نفسه، كيف يمكن لشركة أن تقتطع “عمولة” من هبة عينية؟ ومن أي سند قانوني تستمد هذه الجرأة؟ وهل أصبحت شركات التنمية المحلية تفرض “إتاوات مقنعة” حتى على الورود والأشجار؟
عدد من المستشارين لم يخفوا غضبهم، معتبرين أن ما جرى يحمل رائحة شبهة مالية تستوجب افتحاصاً عاجلاً من المفتشية العامة لوزارة الداخلية، خصوصاً وأن الأمر يتعلق بالمال العام وبقرارات تمرر وسط ضبابية قانونية مقلقة.
لكن الأخطر من ذلك كله، هو الطريقة التي تُدار بها الجماعة، فإضافة حوالي 12 نقطة جديدة إلى جدول الأعمال قبل أقل من 24 ساعة من انعقاد الدورة، يكشف أن المجلس لم يعد فضاء للنقاش الديمقراطي، بل مجرد آلة للتصويت السريع على قرارات جاهزة تُطبخ خارج المؤسسات.
أي احترام هذا للمنتخبين؟ وأي حكامة هذه التي تجعل أعضاء المجلس يكتشفون ملفات بملايين الدراهم في آخر لحظة؟ بل كيف يمكن الحديث عن تدبير تشاركي بينما يتم تمرير ملفات حساسة مرتبطة بنزع الملكية والهدم والتفويت المالي بهذه الطريقة المرتجلة والمريبة؟
الحقيقة التي باتت واضحة داخل إقليم النواصر هي أن شركة التنمية المحلية تحولت إلى “أخطبوط” يبتلع اختصاصات الجماعات الواحدة تلو الأخرى، مستفيدة من دعم سلطوي غير معلن، ومن هشاشة مجالس فقدت تدريجياً القدرة على القرار.
الأخطر أن الشركة لا تكتفي بالإشراف على المشاريع، بل تقتطع نسباً مالية مهمة من قيمتها الإجمالية، قبل أن تعود لاحقاً للمطالبة بزيادات مالية إضافية تحت مبرر “المستجدات التقنية”، في مشهد يكشف حجم العبث الذي يطبع تدبير المال العام المحلي.
وإذا كانت شركات التنمية المحلية أُحدثت أصلاً لتسريع وتيرة التنمية وتحسين الحكامة، فإن ما يجري ببوسكورة يوحي بالعكس تماماً: تضخم بيروقراطي، تهميش للمنتخب، غموض في اتخاذ القرار، وتحويل الجماعات إلى مجرد ممولين لمشاريع لا يتحكمون حتى في تفاصيلها.
أما المشهد الأكثر إثارة للقلق، فكان تمرير مقررات مرتبطة بنزع الملكية والهدم بحضور أربعة أعضاء فقط من أصل 35 عضواً بالمجلس. أي ديمقراطية هذه؟ وأي شرعية سياسية وأخلاقية تسمح باتخاذ قرارات تمس مصير الأسر والعقارات والأنشطة الاقتصادية بهذا الحجم من الغياب واللامبالاة؟
في المقابل، يبقى المواطن البسيط هو الضحية الدائمة لهذه المعادلة المختلة. مواطن مهدد بالهدم، أو بنزع الملكية، أو بإهدار المال العام، دون أن يجد مؤسسة منتخبة قوية تدافع عنه أو تشرح له ما يجري خلف الكواليس.
ما يحدث اليوم في بوسكورة ليس مجرد أزمة تدبير محلي عابرة، بل نموذج صارخ لتحول خطير تعيشه الجماعات الترابية بالمغرب، حيث تتآكل سلطة المنتخب تدريجياً لصالح شركات التدبير المفوض، بينما تتحول الديمقراطية المحلية إلى واجهة شكلية لا أكثر.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ما تزال الجماعات الترابية تدبر شؤون المواطنين فعلاً، أم أن القرار المحلي أصبح يُصنع في مكاتب شركات التنمية، بينما يُطلب من المنتخبين فقط رفع الأيدي والتصفيق؟