الدار البيضاء.. “فراقشية” المجلس يحاصرون الرميلي وصراع المغانم يهز الأغلبية المسيرة

هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تعد أزمة مجلس مدينة الدار البيضاء مجرد خلافات عابرة داخل الأغلبية المسيرة، بل تحولت إلى معركة نفوذ حقيقية كشفت هشاشة التحالفات السياسية، وأظهرت كيف أصبحت المصالح والمغانم هي المحرك الأساسي لكثير من الحسابات داخل أكبر جماعة ترابية بالمملكة.
فما وقع خلال دورة ماي الأخيرة لمجلس المدينة لم يكن مجرد حادث سياسي معزول، بل شكل، وفق متابعين للشأن المحلي، رسالة قوية وجهها ما بات يُعرف داخل كواليس المجلس بـ”الفراقشية السياسية” إلى العمدة نبيلة الرميلي، مفادها أن تدبير العاصمة الاقتصادية لا يُحسم بالشعبية أو الخطاب السياسي، بل بمنطق التوازنات والتحالفات والمصالح المتشابكة.
لقد بدا واضحاً أن العمدة وجدت نفسها فجأة في قلب عاصفة سياسية لم تحسن تقدير حجمها، بعدما اختارت الرهان على بعض المقربين والدفاع عن وجوه مثيرة للجدل داخل محيطها السياسي، في خطوة يعتبرها متابعون واحدة من أكبر أخطاء التقدير التي أضعفت موقعها داخل الأغلبية، وفتحت الباب أمام حلفاء الأمس لإعادة ترتيب أوراق القوة داخل المجلس.
والمثير في المشهد أن الأطراف التي تمارس اليوم ضغطاً قوياً على الرميلي، لم تتحرك بدافع الانسجام السياسي أو الحرص على مصلحة المدينة، بل بمنطق اقتسام النفوذ وإعادة توزيع مراكز القرار داخل الجماعة، في صورة تعكس كيف تحولت بعض التحالفات إلى مجرد ترتيبات ظرفية تحكمها المصالح أكثر مما تجمعها البرامج أو الرؤى التنموية.
لقد كشفت دورة ماي، بشكل غير مسبوق، أن حزب العمدة ليس سوى الحلقة الأضعف داخل تحالف متعدد الرؤوس، وأن استمرار الأغلبية المسيرة لم يعد قائماً على الانسجام أو الثقة السياسية، بل على توازن هش يمكن أن ينهار في أي لحظة بمجرد تغير المصالح أو اختلال موازين القوة.
ويبدو أن الرميلي، التي دخلت تدبير المدينة وهي تراهن على صورتها السياسية وقاعدتها الانتخابية، بدأت تكتشف متأخرة أن السياسة المحلية لا تُدار فقط بالشعبية أو بحسابات التواصل، بل بمنطق أكثر تعقيداً تتحكم فيه شبكات النفوذ ولوبيات المصالح التي لا تعترف إلا بلغة القوة والامتيازات.
الأخطر في كل هذا، أن مدينة بحجم الدار البيضاء، المثقلة أصلاً بملفات النقل والنظافة والبنية التحتية والسكن والتفاوتات الاجتماعية، أصبحت رهينة صراعات سياسية ضيقة، بينما تتراجع الأولويات الحقيقية للمواطن البيضاوي أمام معارك الكواليس وتصفية الحسابات داخل الأغلبية.
فبدل أن يتحول مجلس المدينة إلى فضاء لإنتاج الحلول وتدبير الانتظارات الكبرى للعاصمة الاقتصادية، أصبح في نظر كثيرين ساحة مفتوحة للتجاذبات، حيث تتقدم الحسابات الحزبية والشخصية على حساب المصلحة العامة.
إن ما يجري اليوم داخل مجلس البيضاء يعكس أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي عابر، إنه أزمة ثقة في نموذج تدبيري بات عاجزاً عن الفصل بين خدمة المدينة وخدمة المصالح الخاصة، وعن إنتاج أغلبية منسجمة قادرة على تدبير مدينة بحجم وتعقيد الدار البيضاء.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تستطيع الرميلي استعادة زمام المبادرة وإعادة ترتيب بيت الأغلبية قبل الانفجار الكبير، أم أن مشهد دورة ماي لم يكن سوى بداية العد التنازلي لسقوط تحالف هش بُني على المصالح أكثر مما بُني على المشروع السياسي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد