هبة زووم – الرباط
في خرجة جديدة لا تخلو من جرأة وحدّة، واصل الباحث في الشؤون الإسلامية الدكتور إدريس الكنبوري توجيه سهامه النقدية نحو وزارة التربية الوطنية، معتبراً أن الإجراءات التي تتباهى بها الحكومة لمحاربة الغش في امتحانات البكالوريا، تكشف في العمق حجم التناقض الذي يطبع تدبير الدولة لمنظومة القيم والعدالة داخل المجتمع المغربي.
الكنبوري، وفي تدوينة أثارت تفاعلاً واسعاً، علّق على إعلان وزارة التربية الوطنية تخصيص 2000 جهاز إلكتروني لرصد حالات الغش في امتحانات البكالوريا، معتبراً أن الدولة اختارت أن تُشهر “العصا” في وجه التلاميذ الصغار، بينما تغض الطرف عن “الغش الكبير” الذي ينخر مؤسسات ومرافق يفترض أنها تؤسس للعدالة وتكافؤ الفرص.
الباحث لم يتوقف عند حدود انتقاد الإجراء التقني، بل ذهب أبعد من ذلك حين ربط خطاب وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة حول “تكافؤ الفرص” بالواقع المغربي الذي وصفه بأنه يسير “بسرعتين”، في إشارة إلى التفاوت الصارخ بين من يخضعون للمحاسبة ومن يتمتعون بالإفلات من العقاب.
واستحضر الكنبوري خطاب الملك محمد السادس الذي أكد فيه أنه “لا مكان لمغرب يسير بسرعتين”، قبل أن يعلق بلهجة لاذعة قائلاً إن المغرب بالفعل يعيش هذا الانقسام، لكن ليس على مستوى التنمية فقط، بل حتى في تطبيق القوانين ومحاسبة الفاسدين.
وفي واحدة من أقوى فقرات تدوينته، تساءل الكنبوري بسخرية مريرة: لماذا لا تُخصص هذه الأجهزة الإلكترونية لرصد الغش داخل الإدارات والمؤسسات والصفقات والانتخابات والتوظيفات المشبوهة؟ معتبراً أن محاربة الغش في قاعات الامتحانات تبدو بلا معنى في بلد، حسب تعبيره، “تُوزع فيه المناصب بالزبونية، وتُمنح التزكيات الانتخابية لأصحاب المال والقرابة، وتُنهب فيه الأموال العامة دون محاسبة”.
ولم يُخف الباحث تشكيكه في القيمة الرمزية لشهادة البكالوريا نفسها، مؤكداً أن هذه الشهادة فقدت الكثير من هيبتها في ظل واقع يرى فيه الشباب أصحاب الدكتوراه معطلين ومهمشين، بينما يتصدر المشهد، حسب وصفه، “أشباه الأميين وأصحاب النفوذ والمال”.
كما فتح الكنبوري النار بشكل مباشر على وزير التربية الوطنية سعد برادة، مذكّراً بخلفيته القادمة من عالم التجارة والأعمال، معتبراً أن ذلك يضعف ثقة التلاميذ والرأي العام في الخطاب التربوي الرسمي، ويجعل الإجراءات الزجرية تبدو بالنسبة إلى الشباب مجرد “قسوة انتقائية” لا تعكس عدالة حقيقية داخل المجتمع.
ويرى متابعون أن تدوينة الكنبوري لا تستهدف فقط وزير التعليم أو قراراً ظرفياً مرتبطاً بالامتحانات، بل تطرح سؤالاً أعمق حول أزمة القيم داخل المؤسسات المغربية، وحول الرسائل المتناقضة التي يتلقاها التلاميذ يومياً بين خطاب رسمي يتحدث عن النزاهة والاستحقاق، وواقع يعج بصور الريع والمحسوبية والإفلات من العقاب.
وختم الكنبوري تدوينته باستحضار البيت الشعري الشهير: “لا تنه عن خلق وتأتي مثله… عار عليك إذا فعلت عظيم”، في إشارة واضحة إلى أن محاربة الغش، لكي تكون ذات مصداقية، لا يمكن أن تبدأ من التلميذ وحده، بل يجب أن تشمل كل مستويات الدولة والمجتمع، وإلا تحولت إلى مجرد استعراض تربوي فاقد للثقة والجدوى.
تعليقات الزوار