هبة زووم – علال الصحراوي
لم يعد الجدل الدائر بإقليم تارودانت مرتبطاً فقط بتعثر مشاريع التنمية أو بتدبير الشأن المحلي داخل جماعة أولاد تايمة، بل تجاوز ذلك إلى طرح أسئلة سياسية وإدارية أكثر حساسية تتعلق بمدى احترام مبدأ الحياد المفروض في السلطة الترابية، وحدود التأثير الذي باتت تمارسه بعض اللوبيات السياسية في رسم ملامح المرحلة المقبلة بعيداً عن المؤسسات المنتخبة.
ففي الوقت الذي تنتظر فيه الساكنة أجوبة حقيقية حول ملفات البنية التحتية المتعثرة، والتلوث، والفوضى العمرانية، وتراجع جودة الخدمات الأساسية، يبدو أن مركز القرار الفعلي انتقل، وفق ما يتداوله متابعون للشأن المحلي، من قاعات المجالس المنتخبة إلى “الصالونات السياسية” والفيلات الفاخرة بمدينة أكادير، حيث تُعقد لقاءات مغلقة لصناعة تحالفات انتخابية مبكرة هدفها إعادة تدوير نفس الوجوه التي ارتبط اسمها بسنوات من التعثر التنموي.
الحديث المتزايد عن دعم يُنسب للعامل مبروك لفائدة رئيسة جماعة أولاد تايمة، خلق موجة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والحقوقية، خاصة وأن المرحلة الحالية تقتضي، أكثر من أي وقت مضى، التزام الإدارة الترابية بمسافة واحدة من جميع الفاعلين، تفادياً لكل ما من شأنه المس بصورة الحياد المفترض في مؤسسة السلطة.
وتزداد حدة الانتقادات مع ترويج صور ومشاهد للقاءات توصف بـ”الانتخابية المقنعة”، تُعقد بعيداً عن أعين الرأي العام، في وقت تعيش فيه المدينة أوضاعاً اجتماعية وتنموية صعبة.
فالسكان، بحسب فاعلين محليين، لم يعودوا يهتمون بخطابات التلميع السياسي أو صور الولائم والافتتاحات، بقدر ما يطالبون بمحاسبة حقيقية عن سنوات من الاختلالات التي حولت عدداً من الأحياء إلى فضاءات تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم.
ويرى متابعون أن أخطر ما يقع اليوم ليس فقط استمرار التعثر التنموي، بل محاولة فرض منطق “النفوذ السياسي المحمي”، عبر الترويج لفكرة أن بعض الجماعات أو المنتخبين يوجدون خارج دائرة الافتحاص والمساءلة، بفضل علاقات أو “مظلات حماية” داخل دوائر القرار.
هذه الرسائل، إن صحت، تضرب في العمق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتسيء لصورة المؤسسات الرقابية والإدارة الترابية، خصوصاً في ظل الدينامية التي تعرفها وزارة الداخلية خلال السنوات الأخيرة عبر تحريك لجان التفتيش وفتح ملفات عدد من الجماعات الترابية بمختلف جهات المملكة.
وفي هذا السياق، ترتفع أصوات حقوقية ومدنية مطالبة بتدخل المفتشية العامة للإدارة الترابية من أجل افتحاص تدبير جماعة أولاد تايمة، والتحقق من طبيعة الاختلالات التي يتم تداولها محلياً، ووضع حد لحالة الاحتقان والجدل التي باتت تطبع المشهد السياسي بالإقليم.
كما يعتبر متتبعون أن ما يجري بتارودانت يعكس أزمة أعمق تتعلق بتغول “الصالونات السياسية” على حساب المؤسسات، حيث أصبحت بعض القرارات والتحالفات تُطبخ بعيداً عن النقاش الديمقراطي والتنافس الشريف، في مشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات التحكم التي يرفضها المغاربة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في صناعة التحالفات داخل الفيلات المغلقة، بل في استعادة ثقة المواطنين عبر احترام القانون، وضمان حياد الإدارة، وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة دون انتقائية أو حسابات سياسية.
فالساكنة التي أنهكتها سنوات الانتظار لم تعد تبحث عن الوعود أو الولاءات، بل عن مسؤولين يشتغلون بمنطق الميدان لا بمنطق الكواليس، وعن مؤسسات تحمي القانون بدل أن تتحول، في نظر البعض، إلى طرف داخل الصراع السياسي.
تعليقات الزوار