هبة زووم – محمد أمين
تحولت مدينة السعيدية، التي يفترض أن تكون واجهة سياحية وعمرانية مشرقة بشرق المغرب، إلى نموذج صارخ للتناقض بين التوسع العمراني المتسارع وواقع البنيات التحتية الهشة، وسط تصاعد الأسئلة حول اختلالات التعمير وتداخل النفوذ السياسي مع دواليب التدبير الترابي.
فعلى الرغم من المشاريع العقارية الضخمة التي غزت المدينة خلال السنوات الأخيرة، وما تدره من مداخيل مهمة، لا تزال أحياء عديدة تعاني من طرق مهترئة، وانتشار الحفر، وضعف الصيانة، إضافة إلى مشاكل بيئية مرتبطة بالمياه الراكدة وتكاثر الحشرات، في مشهد يختزل حجم الهوة بين الشعارات التنموية والواقع اليومي للساكنة.
فشكايات المواطنين لم تعد تقتصر على ضعف الخدمات فقط، بل امتدت إلى التشكيك في مدى احترام دفاتر التحملات من طرف بعض المنعشين العقاريين، وفي الكيفية التي منحت بها رخص السكن وشهادات المطابقة لبعض المشاريع، رغم تسجيل تعديلات واختلالات مقارنة بالتصاميم الأصلية المرخصة.
هذه المعطيات دفعت فعاليات حقوقية ومدنية إلى المطالبة بفتح تحقيقات إدارية وتقنية معمقة حول مساطر منح الرخص، وترتيب المسؤوليات في حال ثبوت أي تجاوزات أو تلاعبات، خاصة أن ملف التعمير بالمغرب ظل لعقود أحد أكثر الملفات ارتباطاً بشبهات الفساد واستغلال النفوذ.
ففي مدينة كالسعيدية، حيث العقار يساوي الملايين، يصبح التحكم في الرخص والتصاميم وشهادات المطابقة مدخلاً حقيقياً لبناء شبكات نفوذ قوية، وهو ما يفسر، بحسب متابعين للشأن المحلي، حجم الصراعات الخفية التي تدور في كواليس المدينة.
الأخطر من ذلك، هو ما تتحدث عنه بعض الأصوات المحلية بخصوص وجود تداخل بين النفوذ الانتخابي وبعض دواليب الإدارة الترابية، من خلال التأثير على تعيين أعوان السلطة واستعمالهم، وفق هذه الاتهامات، في تكريس الولاءات الانتخابية وتوجيه المشهد السياسي المحلي لخدمة جهات معينة.
وإذا كانت هذه المعطيات تحتاج إلى تحقيقات دقيقة لإثباتها أو نفيها، فإن مجرد تداولها بهذا الشكل داخل الشارع المحلي يعكس حجم أزمة الثقة التي أصبحت تخيم على العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
ويرى متابعون أن ربط التنمية المحلية بشبكات المصالح والولاءات السياسية أدى إلى تكريس اختلالات بنيوية خطيرة، جعلت مدينة بمؤهلات سياحية واستثمارية كبيرة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من شروط العيش الكريم لجزء من ساكنتها.
فكيف يمكن لمدينة تعرف نمواً عمرانياً هائلاً، وتستفيد من مشاريع بملايين الدراهم، أن تظل غارقة في مشاكل البنية التحتية والخدمات الأساسية؟ وكيف تصرف هذه الأموال؟ ومن المستفيد الحقيقي من الصفقات والمشاريع التي يتم إطلاقها باسم التنمية؟
إن ما تعيشه السعيدية اليوم لا يتعلق فقط بأزمة تعمير أو تدبير جماعي، بل بأزمة حكامة حقيقية تطرح بإلحاح ضرورة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ الشفافية والمساواة أمام القانون، بعيداً عن منطق النفوذ والامتيازات.
فالمدن لا تسقط فجأة، بل تنهار تدريجياً حين يتحول التعمير إلى تجارة، والسياسة إلى شبكة مصالح، والإدارة إلى أداة لخدمة الولاءات بدل خدمة القانون والمواطن.
تعليقات الزوار