هبة زووم – الرباط
وسط موجة الغضب والاستياء التي رافقت عيد الأضحى هذه السنة، يبدو أن بعض أعضاء الحكومة ما زالوا يصرون على تقديم صورة وردية بعيدة عن الواقع الذي عاشته آلاف الأسر المغربية داخل الأسواق وأمام “رحبة” الأغنام.
ففي الوقت الذي كان فيه المواطن البسيط يجوب الأسواق بحثاً عن أضحية تناسب قدرته الشرائية المنهكة، خرج الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، كريم زيدان، ليدافع عن حصيلة الحكومة، معتبراً أن التدخلات العمومية ساهمت في مرور عيد الأضحى “في ظروف عادية”.
تصريح أثار الكثير من علامات الاستفهام، لأن “العادي” بالنسبة للمغاربة هذا العام لم يكن سوى أسعار ملتهبة، واحتقان داخل الأسواق، وعائلات كثيرة اضطرت إلى مقاطعة الأضحية أو الاستدانة من أجل الحفاظ على طقس اجتماعي وديني ظل لعقود جزءاً من هوية المجتمع المغربي.
الوزير تحدث بثقة عن الدعم الموجه للكسابة الصغار، مؤكداً أن 74 في المائة من المستفيدين يربون أقل من 20 رأساً من الغنم، نافياً أن يكون كبار المربين هم المستفيد الأكبر من الدعم العمومي.
لكن السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم لا يتعلق فقط بمن استفاد من الدعم، بل أين ظهرت نتائج هذا الدعم على أرض الواقع؟
فإذا كانت الحكومة قد ضخت ملايير الدراهم لدعم القطيع الوطني واستيراد الأغنام، فلماذا بقيت الأسعار مشتعلة إلى هذا الحد؟ ولماذا شعر المواطن بأن “الحولي” تحول إلى رفاهية اجتماعية بدل أن يكون شعيرة في متناول مختلف الفئات؟
المفارقة أن المغاربة لم يكونوا ينتظرون من الحكومة معجزات، بل فقط إجراءات حقيقية تحد من جشع المضاربين والسماسرة وتعيد بعض التوازن للأسواق، لكن ما حدث هو العكس تماماً؛ إذ وجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة أسعار تجاوزت في كثير من الأحيان أجراً شهرياً كاملاً.
والأخطر من الغلاء نفسه، هو الخطاب الحكومي الذي بدا منفصلاً عن نبض الشارع، وكأن التقارير الرسمية شيء، وما عاشه المغاربة داخل الأسواق شيء آخر تماماً.
فحين يقول مسؤول حكومي إن العيد مرّ “في ظروف عادية”، بينما كانت مواقع التواصل الاجتماعي والأسواق تعج بصور الغضب والسخرية والاحتجاج، فإن الأزمة لم تعد فقط أزمة أسعار، بل أزمة تواصل وثقة أيضاً.
لقد شعر كثير من المغاربة أن الحكومة تتحدث بلغة الأرقام والنسب، بينما يتحدث المواطن بلغة المعاناة اليومية والفواتير والقروض والقدرة الشرائية المنهارة.
والواقع أن عيد الأضحى هذه السنة كشف بوضوح حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي، وأعاد إلى الواجهة سؤال العدالة الاجتماعية وجدوى السياسات العمومية التي تستهلك الملايير دون أن ينعكس أثرها الحقيقي على حياة المواطنين.
فالمغاربة لا يقيسون نجاح الحكومة بعدد البلاغات أو المؤشرات التقنية، بل بما إذا كانوا قادرين على العيش بكرامة، وتأمين أبسط متطلبات الحياة دون إذلال أو استنزاف.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحكومة مطالبة بالإنصات الحقيقي لنبض الشارع، لأن المواطن الذي عجز عن شراء أضحية العيد لن تقنعه لغة الأرقام، بقدر ما ينتظر قرارات تحميه من الغلاء وتعيد له الشعور بأن الدولة تقف إلى جانبه، لا أن تكتفي بإخباره أن كل شيء “مرّ بشكل عادي”.
تعليقات الزوار