هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي لإثارة النقاش حول إحدى الوقائع التي هزت الرأي العام المغربي خلال الأيام الأخيرة، بعدما تفاعل مع أحداث أغبالو نكردوس التي شهدت خلافاً حول دفن سيدة متوفاة، في مشهد وصفه بأنه يكشف عن أزمة عميقة تتجاوز مجرد نزاع محلي لتطرح أسئلة مقلقة حول دور الدولة ومستوى الوعي المجتمعي وقيم التضامن الإنساني.
وفي تدوينة حملت الكثير من النقد والحدة، اعتبر اليحياوي أن ما جرى لا يتعلق فقط بخلاف حول مكان الدفن، بل يمثل مؤشراً خطيراً على تراجع بعض القيم الأساسية المرتبطة بحرمة الموت وكرامة الإنسان.
واستنكر بشدة مشهد ترك جثمان امرأة على الأرض بسبب رفض استقبالها في مقبرة بدعوى ضيق المساحة وعدم قدرتها على استيعاب مزيد من الموتى، معتبراً أن الواقعة تعكس خللاً عميقاً في التعاطي مع أبسط الحقوق الإنسانية.
وأشار الباحث إلى أن المقابر لا يمكن أن تتحول إلى ملكيات مغلقة أو فضاءات للاحتكار القبلي أو الاجتماعي، مؤكداً أن الموت يوحد الجميع وأن التراب الذي يحتضن الأجساد لا يعترف بالحدود الضيقة التي يصنعها الأحياء، فالقبر، في نظره، ليس ملكاً لأحد، لأن الجسد سرعان ما يتحول إلى جزء من الأرض التي خُلق منها.
ولم يتردد اليحياوي في تحميل الدولة جانباً من المسؤولية عما وقع، معتبراً أن توفير فضاءات الدفن وتأمين الحق في مواراة الموتى الثرى في ظروف تحفظ الكرامة الإنسانية يدخل ضمن صميم مسؤوليات السلطات العمومية.
وانتقد ما وصفه بحالة التراخي والتقصير التي تجعل الدولة عاجزة أحياناً عن تدبير قضايا تمس الإنسان في حياته وبعد وفاته.
وتوقف الباحث عند الأبعاد القيمية والدينية للحادثة، معتبراً أن منع دفن ميت بسبب خلافات بين الأحياء يكشف عن تراجع منسوب الإيمان الحقيقي وتغليب العصبيات الضيقة على المبادئ التي تدعو إلى الرحمة والتكافل واحترام الإنسان.
وذهب اليحياوي إلى حد وصف المشهد بأنه يعيد إنتاج مظاهر من “الجاهلية” التي تتناقض مع جوهر القيم الإسلامية والإنسانية.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة النقاش حول أوضاع المقابر في عدد من المناطق المغربية، وحول مدى استعداد الجماعات الترابية والسلطات المختصة لاستباق الأزمات المرتبطة بتدبير فضاءات الدفن، خاصة في المناطق التي تعرف نمواً ديموغرافياً أو نزاعات عقارية متكررة.
وبينما نجح تدخل السلطات الأمنية في احتواء التوتر ومنع تطور الوضع إلى مواجهات أخطر، فإن الحادثة خلفت صدمة واسعة لدى الرأي العام، وفتحت الباب أمام تساؤلات محرجة حول كيفية وصول المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها حق الإنسان في الدفن موضوع نزاع وصراع، في وقت يفترض أن تكون فيه كرامة الميت خطاً أحمر لا يقبل المساومة أو التأجيل.
تعليقات الزوار