في انتظار فتح تحقيق.. كيف تحوّلت جنازة امرأة بأغبالو نكردوس إلى مرآة لأزمة الأراضي السلالية بالرشيدية؟
هبة زووم – محمد الداودي
لم تكن أزمة دفن سيدة تنحدر من قبيلة آيت عبد الصمد بجماعة أغبالو نكردوس، التابعة لإقليم الرشيدية، مجرد واقعة معزولة أو خلافاً ظرفياً حول مكان مواراة جثمان داخل مقبرة محلية، بل تحولت في ظرف ساعات قليلة إلى قضية رأي عام محلي كشفت عن حجم التوترات الكامنة المرتبطة بملف الأراضي السلالية، وأعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول طريقة تدبير النزاعات العقارية بالمنطقة، ومدى قدرة المؤسسات على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى تهديد مباشر للسلم الاجتماعي.
فما عاشته المنطقة خلال الأيام الأخيرة، من تأخير لعملية دفن الراحلة لأكثر من أربع وعشرين ساعة وسط أجواء من الاحتقان والاستنفار، لم يكن في نظر العديد من المتتبعين سوى النتيجة الطبيعية لتراكم سنوات من الخلافات غير المحسومة، والتي ظلت تتفاعل بعيداً عن الأضواء قبل أن تنفجر دفعة واحدة في لحظة إنسانية كان يفترض أن توحد الجميع حول احترام حرمة الموت وكرامة الإنسان.
الملف في جوهره لا يتعلق بمقبرة أو بجثمان امرأة فقط، بل يرتبط بنزاع عقاري قديم حول أرض سلالية تقع بمنطقة أغبالو نكردوس، تعتبرها قبيلة تغنبوت جزءاً من أملاكها الجماعية التاريخية، في حين ترى أطراف أخرى أنه يمكن استغلالها لإحداث مقبرة جديدة تستجيب لحاجيات الساكنة.
وبحسب المعطيات التي استقتها “هبة زووم” من عين المكان ومن عدد من الفاعلين المحليين، فإن بداية الأزمة تعود إلى إقدام أفراد من قبيلة آيت عبد الصمد على تهيئة قطعة أرض وإقامة تجهيزات أولية فوقها، مع وضع لوحة تعريفية تحمل اسم “مقبرة المجاهدين”، وهو ما اعتبرته قبيلة تغنبوت خطوة أحادية الجانب ترمي إلى فرض أمر واقع فوق عقار لا تزال وضعيته محل نزاع.
ومنذ تلك اللحظة بدأت ملامح المواجهة تتشكل تدريجياً، حيث اختارت قبيلة تغنبوت اللجوء إلى المساطر القانونية والمؤسساتية، عبر توجيه شكايات إلى الجهات المختصة وإشعار السلطات المحلية بطبيعة النزاع، مطالبة بوقف أي استغلال للعقار إلى حين البت النهائي في وضعيته القانونية.
غير أن تطور الأحداث خلال الأشهر الماضية أظهر، بحسب عدد من المتابعين، أن جوهر الإشكال لم تتم معالجته بالشكل المطلوب، إذ انتقل النقاش من سؤال الملكية العقارية إلى البحث عن حلول تقنية مرتبطة بإحداث المقبرة، دون حسم مسبق في أصل النزاع.
وفي هذا الإطار، تم تنظيم سلسلة من الاجتماعات والمشاورات انتهت بتشكيل لجنة إدارية للقيام بمعاينات ميدانية للمواقع المقترحة. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن اللجنة وقفت على ثلاثة مواقع مختلفة، اثنان منها يقعان داخل النفوذ الترابي لقبيلة آيت عبد الصمد، بينما يتعلق الموقع الثالث بالأرض محل النزاع بين الطرفين.
لكن اختيار هذا الموقع الأخير أثار موجة واسعة من الاعتراضات، إذ اعتبرته قبيلة تغنبوت قراراً غير مفهوم يتجاوز منطق الحياد الذي يفترض أن يطبع عمل اللجان الإدارية، خاصة في ظل وجود بدائل أخرى لم تكن محل نزاع.
وزاد من حدة الجدل ما تردد بشأن وجود اختلالات مسطرية رافقت عمل اللجنة، من قبيل عدم التنصيص بشكل واضح على وجود نزاع عقاري قائم حول الأرض المعنية، وعدم إشراك ممثلي الجماعات السلالية في مختلف مراحل التشاور، فضلاً عن غياب تعليل مفصل يبرر اختيار العقار المتنازع عليه دون غيره.
ومع مرور الوقت، دخل الملف مرحلة أكثر تعقيداً بعد تسجيل عمليات دفن فوق الأرض محل النزاع، الأمر الذي اعتبرته قبيلة تغنبوت تكريساً لسياسة فرض الأمر الواقع ومحاولة لاستباق أي قرار قضائي أو إداري مستقبلي.
هذه التطورات ساهمت في رفع منسوب الاحتقان بشكل غير مسبوق، خصوصاً في منطقة ترتبط فيها الأراضي السلالية بالهوية الجماعية والذاكرة التاريخية والامتداد الاجتماعي للقبائل، ما يجعل أي قرار مرتبط بها يتجاوز البعد العقاري الصرف ليأخذ أبعاداً اجتماعية ورمزية شديدة الحساسية.
وقد بلغت الأزمة ذروتها مع وفاة سيدة من قبيلة آيت عبد الصمد، حيث اصطدمت رغبة ذويها في دفنها بالموقع المخصص للمقبرة برفض الطرف الآخر، ما أدى إلى تأخير عملية الدفن لساعات طويلة في مشهد خلف صدمة واسعة لدى الرأي العام المحلي، وطرح تساؤلات عميقة حول مآلات هذا النزاع إذا استمرت أسبابه دون معالجة جذرية.
ولم يكن تدخل السلطات المحلية والأمنية كافياً لاحتواء الجدل الذي رافق الحادث، بل إن الواقعة دفعت العديد من الأصوات إلى المطالبة بفتح تحقيق إداري وقانوني شامل للوقوف على مختلف المراحل التي مر منها الملف، والكشف عن مدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية التي تؤطر تدبير الأراضي السلالية.
وفي المقابل، سجل عدد من الفاعلين المحليين بإيجابية استقبال والي جهة درعة تافيلالت لممثلي الجماعة السلالية لقبيلة تغنبوت وأعيان المنطقة، حيث تم الاستماع إلى مختلف وجهات النظر والمعطيات المرتبطة بالنزاع، في خطوة اعتبرت محاولة لفتح قنوات الحوار وتخفيف حدة الاحتقان.
ويرى متابعون أن الأزمة الحالية لا ينبغي أن تختزل في حادثة دفن أو خلاف ظرفي بين قبيلتين، بل يجب التعامل معها باعتبارها مؤشراً على الحاجة الملحة إلى مراجعة طرق تدبير الملفات العقارية الحساسة، خصوصاً تلك المرتبطة بالأراضي الجماعية التي تعرف تراكماً تاريخياً من الإشكالات القانونية والاجتماعية.
ففي مثل هذه الملفات، لا يمكن أن يحل منطق القوة أو فرض الأمر الواقع محل القانون والمؤسسات، كما لا يمكن السماح بتحويل الخلافات العقارية إلى نزاعات اجتماعية مفتوحة قد تهدد الاستقرار المحلي وتنسف سنوات من التعايش بين مكونات المنطقة.
إن ما وقع في أغبالو نكردوس يجب أن يشكل جرس إنذار حقيقياً لجميع المتدخلين، لأن السلم الاجتماعي لا يحفظ بالشعارات ولا بالحلول المؤقتة، بل عبر إعمال القانون، وضمان الحياد المؤسساتي، والاستماع لجميع الأطراف، والاحتكام إلى مساطر واضحة وشفافة تحمي الحقوق وتصون كرامة الجميع.
واليوم، وبعد أن تحولت جنازة امرأة إلى قضية رأي عام، لم يعد السؤال المطروح هو أين ستقام المقبرة، بل كيف يمكن إعادة الثقة إلى الساكنة وضمان ألا تتكرر مثل هذه المشاهد مستقبلاً. فالحقيقة القانونية وحدها، مقرونة بالشفافية والإنصاف، قادرة على إغلاق هذا الملف بطريقة تحفظ الحقوق وتعيد الطمأنينة إلى منطقة أنهكتها سنوات الانتظار والنزاع.