هبة زووم – الرباط
مرة أخرى يجد المواطن المغربي نفسه في مواجهة فاتورة لم يصنعها، وعقوبة لم يكن سبباً فيها، بعدما فوجئ آلاف الملزمين بأداء رسم الخدمات الجماعية بفرض غرامات تأخير بلغت 15 في المائة، نتيجة تأخرهم في الأداء بسبب غياب المعلومة الكافية حول التغييرات التي طرأت على الجهة المكلفة بتدبير هذا الرسم وكيفية أدائه وآجاله القانونية.
فالانتقال من تدبير هذا الرسم من الخزينة العامة للمملكة إلى المديرية العامة للضرائب كان يفترض أن يشكل خطوة تنظيمية لتحسين التدبير وتجويد الخدمات، غير أن ما وقع على أرض الواقع كشف عن اختلال واضح في التواصل مع المواطنين، الذين وجدوا أنفسهم أمام إجراءات جديدة لم يتم شرحها بالشكل الكافي، ولا تم إشعارهم بها بالوسائل التي اعتادوا عليها لسنوات.
المفارقة المثيرة للاستغراب أن عدداً كبيراً من المواطنين ظل ينتظر التوصل بإشعارات الأداء عبر البريد، كما جرت العادة في السنوات الماضية، قبل أن يكتشف بعد فوات الأوان أن الآجال القانونية انتهت وأن الغرامات دخلت حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يونيو 2026.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن تحميل المواطن مسؤولية التأخر في الأداء بينما لم توفر له الإدارة المعلومة الكافية في الوقت المناسب؟ وكيف يتم فرض غرامات مالية على أشخاص لم يتعمدوا التهرب أو الامتناع عن الأداء، بل وجدوا أنفسهم ضحايا لمرحلة انتقالية افتقرت إلى الحد الأدنى من التواصل والتأطير؟
إن ما وقع لا يتعلق فقط بمشكل إداري عابر، بل يطرح إشكالاً أعمق مرتبطاً بعلاقة الإدارة بالمرتفقين وبمفهوم الحكامة الجيدة نفسه. فالإدارة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على استخلاص الرسوم والضرائب، وإنما أيضاً بقدرتها على ضمان حق المواطن في الوصول إلى المعلومة الصحيحة والواضحة في الوقت المناسب.
وقد زاد من حدة الانتقادات احتساب الآجال خلال فترة تزامنت مع العطل والأعياد، في وقت كان من المفترض فيه مراعاة الظروف الاستثنائية وضمان انتقال سلس بين النظامين التدبيريين، بدل تحويل المرحلة الانتقالية إلى مصدر لمعاناة جديدة للمواطنين.
وما يكشف حجم الارتباك الذي رافق هذا الملف هو التوافد المكثف للمواطنين على مصالح الأداء بمجرد علمهم بالمستجدات، في محاولة لتفادي الغرامات والزيادات، وهو سلوك يعكس بوضوح أن المشكلة لم تكن في رفض الأداء أو التهرب منه، وإنما في غياب التواصل الفعال وافتقار الإدارة إلى استراتيجية واضحة لإخبار المرتفقين بالتغييرات الجديدة.
اليوم، لم يعد النقاش يدور فقط حول نسبة الغرامة أو قيمة الرسم، بل حول مبدأ أساسي يتعلق بالعدالة الإدارية، فحين يلتزم المواطن بأداء ما عليه من واجبات، يصبح من حقه أن يحصل بالمقابل على معلومة دقيقة وواضحة وفي الوقت المناسب، لا أن يفاجأ بعقوبات مالية نتيجة اختلالات لا يد له فيها.
إن استمرار تطبيق هذه الغرامات في ظل هذه الظروف الاستثنائية من شأنه أن يوسع فجوة الثقة بين المواطن والإدارة، ويعزز الشعور بأن المرتفق هو دائماً الحلقة الأضعف التي تتحمل تبعات أخطاء لا تتحكم فيها.
لذلك تبدو المطالب الداعية إلى تعليق غرامات التأخير مؤقتاً، ومنح مهلة إضافية للمواطنين لتسوية وضعيتهم، وإطلاق حملة تواصلية واسعة لتوضيح الإجراءات الجديدة، مطالب مشروعة ومنسجمة مع مبادئ الإنصاف والحكامة الجيدة. لأن الإدارة التي تخطئ في التواصل لا يمكنها أن تجعل المواطن وحده يؤدي ثمن ذلك الخطأ.
تعليقات الزوار