إقصاء جماعي واحتجاز للضمانات المالية.. غضب في قطاع النقل بسبب صفقة لوزارة الشباب وشبهات تدبير تضع مديرية طنجة في مرمى الانتقادات

هبة زووم – طنجة
يبدو أن الحديث المتكرر عن الحكامة الجيدة والشفافية وتكافؤ الفرص داخل منظومة الصفقات العمومية بالمغرب ما يزال يصطدم، بين الفينة والأخرى، بوقائع تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مدى احترام هذه المبادئ على أرض الواقع.
وآخر هذه الملفات ما تفجر بجهة طنجة تطوان الحسيمة على خلفية طلب العروض رقم 18/2026 المتعلق بنقل المستفيدين من المخيمات الصيفية، والذي تحول من إجراء إداري عادي إلى مصدر احتقان واسع داخل أوساط مهنيي النقل السياحي والطرقي.
فبحسب معطيات متداولة من طرف مقاولات معنية بالصفقة، فإن عملية تقييم العروض شابتها اختلالات خطيرة أدت إلى إقصاء أربع شركات دفعة واحدة، رغم تأكيد أصحابها أنهم أرفقوا ملفاتهم بجميع الوثائق القانونية المطلوبة، بما في ذلك وكالات تفويض رسمية ومصادق عليها تخول للموقعين تمثيل الشركات قانونياً أمام الإدارة.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد خطأ إداري بسيط أو سهو تقني عابر، بل بمؤشر مقلق على وجود خلل في آليات دراسة الملفات والتأكد من المعطيات قبل اتخاذ قرارات قد تكون لها انعكاسات مالية ومهنية خطيرة على المقاولات المتنافسة.
الأكثر إثارة للجدل، وفق شكاوى المتضررين، لا يقف عند حدود الإقصاء فقط، بل يمتد إلى ما يعتبرونه احتجازاً غير مبرر للضمانات المالية المؤقتة الخاصة بهم، رغم سقوط صفتهم كمتنافسين في الصفقة، وهي وضعية يرى مهنيون أنها تتعارض مع روح النصوص القانونية المؤطرة للصفقات العمومية، التي تقوم أساساً على حماية حقوق جميع الأطراف وضمان المساواة بينهم.
وتطرح هذه القضية سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العلاقة التي يفترض أن تجمع الإدارة بالمقاولة الوطنية، فالدولة التي تدعو باستمرار إلى تشجيع الاستثمار ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة لا يمكنها، من جهة، مطالبة الفاعلين الاقتصاديين بالمساهمة في التنمية وخلق فرص الشغل، ومن جهة أخرى، تركهم يواجهون مساطر يعتبرونها مجحفة أو غير مفهومة دون توفير قنوات فعالة للطعن والتواصل والتوضيح.
ويزداد الجدل حدة مع حديث عدد من المتضررين عن صعوبة التواصل مع المصالح المعنية وغياب أجوبة رسمية على مراسلاتهم وتظلماتهم، وهو ما يساهم في تعميق منسوب الاحتقان ويفتح المجال أمام التأويلات والشكوك حول خلفيات بعض القرارات الإدارية.
وفي ظل هذه التطورات، أصبحت المديرية الجهوية لقطاع الشباب بطنجة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتقديم توضيحات دقيقة للرأي العام وللمهنيين حول الأسس القانونية والتقنية التي بنيت عليها قرارات الإقصاء، والكشف عن الإجراءات التي اتخذت بشأن طلبات رفع اليد عن الضمانات المالية، تفادياً لتحول الملف إلى أزمة ثقة جديدة بين الإدارة والمقاولة.
كما أن الوزارة الوصية تجد نفسها بدورها أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على فرض مبادئ الحكامة والشفافية داخل مصالحها الجهوية، خاصة وأن الصمت في مثل هذه الملفات لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الشكوك وإضعاف الثقة في مساطر المنافسة العمومية.
إن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في صفقة نقل خاصة بالمخيمات الصيفية، بل في الرسالة التي تصل إلى المقاولات الوطنية عندما تشعر بأن حقوقها معرضة للتأويل أو التجاهل أو التأخير، فالمناخ الاستثماري لا يبنى فقط بالحوافز المالية، بل أيضاً بإدارة عادلة وواضحة وقابلة للمساءلة.
واليوم، وبين رواية الإدارة ورواية المقاولات المتضررة، يبقى الرهان الحقيقي هو كشف الحقيقة كاملة عبر آليات الرقابة والتفتيش والتدقيق المؤسساتي، لأن مصداقية الصفقات العمومية لا تقاس بقيمة العقود المبرمة، بل بمدى احترام قواعد النزاهة والشفافية والمساواة بين جميع المتنافسين، فإذا اهتزت هذه القواعد، فإن الخسارة لا تلحق بالمقاولات وحدها، بل تمتد إلى صورة الإدارة نفسها وإلى الثقة في المرفق العمومي برمته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد