هبة زووم – حسن لعشير
أعاد الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بطنجة والقاضي بإلغاء عمليات بيع قطع أرضية بالمنطقة الصناعية بمدينة تطوان فتح نقاش واسع حول تدبير العقار العمومي وحدود المسؤولية في حماية الممتلكات الجماعية من أي قرارات قد تثير الجدل أو تطرح علامات استفهام بشأن مدى انسجامها مع مبادئ الحكامة والشفافية.
وجاء هذا الجدل بعد التدوينة التي نشرها الأمين العام للحزب المغربي الحر، المحامي إسحاق شارية، والتي اعتبر فيها أن الحكم القضائي يشكل رسالة قوية بشأن ضرورة احترام الضوابط القانونية في تدبير العقار الجماعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بأوعية عقارية ذات قيمة اقتصادية واستراتيجية مهمة.
ولا تكمن أهمية هذا الملف فقط في الحكم القضائي الصادر، وإنما في الأسئلة التي يطرحها حول آليات اتخاذ القرار داخل الجماعات الترابية ومدى خضوعها للرقابة والمساءلة.
فالقضية تثير تساؤلات مشروعة حول الكيفية التي تتم بها عمليات التفويت أو البيع، والمعايير المعتمدة في تحديد الأثمنة، ومدى احترام مبدأ حماية المال العام والممتلكات الجماعية.
ويذهب عدد من المتابعين إلى أن هذه الواقعة تؤكد أهمية الأدوار التي تضطلع بها المؤسسات الرقابية والقضائية، إلى جانب الإعلام والمجتمع المدني، في تتبع تدبير الشأن المحلي وكشف الملفات التي تستوجب التدقيق والتمحيص، فلو لم يتم إخضاع هذه العملية للنقاش العمومي والمراقبة القضائية، ربما ما كانت لتثار كل هذه التساؤلات المرتبطة بمدى سلامة المساطر المعتمدة.
كما تعيد القضية إلى الواجهة أهمية العقار العمومي باعتباره رافعة للتنمية المحلية وليس مجرد وعاء قابل للتفويت. فالأراضي التابعة للجماعات الترابية تمثل رصيداً استراتيجياً ينبغي توظيفه بما يخدم الاستثمار والتنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل، مع ضمان الحفاظ على مصالح الجماعة وحقوق الساكنة.
وفي هذا السياق، يبرز دور القضاء الإداري باعتباره أحد أهم الضمانات المؤسساتية لحماية المشروعية، حيث يتيح مراقبة القرارات الإدارية والتأكد من مدى احترامها للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، وهو ما يجعل الأحكام القضائية الصادرة في مثل هذه الملفات تتجاوز آثارها القانونية المباشرة لتتحول إلى رسائل تؤكد أن تدبير الشأن العام يجب أن يخضع دائماً لمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن ما جرى بمدينة تطوان لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره نزاعاً قانونياً حول عملية بيع عقارية، بل باعتباره مناسبة لإعادة طرح أسئلة أعمق حول حكامة العقار العمومي وآليات تدبيره، فكلما تعززت الشفافية واتسعت دائرة المراقبة المؤسساتية والمجتمعية، تقلصت احتمالات وقوع اختلالات أو قرارات قد تمس المصلحة العامة.
وفي النهاية، تؤكد هذه القضية أن حماية الممتلكات الجماعية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات المنتخبة والسلطات الرقابية والقضاء والإعلام والمجتمع المدني، لأن العقار العمومي ليس ملكاً لجيل واحد أو لمجلس منتخب بعينه، بل هو رصيد جماعي يجب الحفاظ عليه وتدبيره بما يخدم التنمية ويصون حقوق الأجيال المقبلة.
تعليقات الزوار