في تحد لتعليمات العامل.. مصنع للجبس بآسفي يتحدى السلطات ويقوم بتوسعات خارج القانون

هبة زووم – آسفي
في الوقت الذي ترفع فيه الدولة شعار حماية الأراضي الفلاحية وتنظيم التوسع الصناعي وفق ضوابط قانونية دقيقة، يطفو على السطح بإقليم آسفي ملف يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مدى احترام القانون وحدود نفوذ بعض الفاعلين الاقتصاديين داخل المجال الترابي.
فبدوار أولاد جلالي التابع لجماعة سيدي التيجي، تحولت قضية مصنع للجبس إلى مادة دسمة للنقاش المحلي والحقوقي، بعدما تفجرت معطيات تتحدث عن توسعات صناعية ضخمة تمت خارج نطاق الترخيص الأصلي، في ظروف يعتبرها متابعون للشأن المحلي مثيرة للجدل وتستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة.
وحسب المعطيات المتداولة، فإن الشركة المستغلة للمصنع كانت قد استفادت في وقت سابق من ترخيص استثنائي لإنجاز وحدة صناعية محدودة المساحة والاختصاص، غير أن الواقع الميداني، وفق مصادر محلية، يكشف عن توسعات متلاحقة شملت إحداث مستودعات إضافية ومنشآت جديدة ووحدة صناعية أخرى لم تكن ضمن المشروع الأصلي المرخص له.
الأكثر إثارة للانتباه أن هذه التوسعات، بحسب المصادر ذاتها، تجاوزت سقف عشرة آلاف متر مربع، بينما لا تزال أشغال البناء والتجهيز مستمرة إلى حدود الساعة، في مشهد يطرح سؤالاً مباشراً حول دور المصالح المكلفة بمراقبة التعمير والبيئة، وحول أسباب عدم توقيف الأشغال أو فتح تحقيق رسمي بشأنها.
ولا يقف الجدل عند حدود التوسع العمراني فقط، بل يمتد إلى طبيعة العقارات المستغلة، حيث تتحدث معطيات متطابقة عن امتداد المشروع نحو أراضٍ فلاحية مجاورة يتم استغلالها فعلياً لأغراض صناعية، وهو ما يشكل، في حال ثبوت صحته، خرقاً واضحاً للقوانين المنظمة لاستعمال الأراضي ولمختلف التوجيهات الرامية إلى حماية الوعاء العقاري الفلاحي من الزحف العمراني والصناعي غير المنظم.
ويزداد الملف حساسية مع تداول معطيات داخل الأوساط المحلية تربط المشروع بشخصية سياسية نافذة تنحدر من منطقة دكالة، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت شبكة من المصالح والنفوذ تقف وراء استمرار هذه الوضعية رغم حجم الجدل الذي أثارته.
هذه الشبهات، وإن كانت تحتاج إلى إثبات قانوني ومؤسساتي، فإنها تعزز مناخ الشك لدى الرأي العام المحلي الذي بات يتساءل عما إذا كان الجميع يخضع فعلاً للقانون بنفس الدرجة، أم أن بعض المشاريع تحظى بمعاملة استثنائية تجعلها فوق الرقابة والمساءلة.
وفي خضم هذا الجدل، دخلت هيئة حقوقية على الخط بقوة، بعدما كشفت ما وصفته بتجاوزات خطيرة تمس قوانين التعمير والبيئة وحقوق الساكنة المحلية، مطالبة بفتح تحقيق عاجل وشامل وإيفاد لجنة مختلطة للوقوف ميدانياً على حقيقة الأشغال والتوسعات المنجزة ومدى مطابقتها للتراخيص القانونية.
واعتبرت الهيئة أن استمرار الأشغال رغم تنامي الجدل الحقوقي والإعلامي يكرس منطق فرض الأمر الواقع، ويبعث برسائل سلبية حول قدرة المؤسسات على فرض احترام القانون وحماية المجال الترابي من أي تجاوزات محتملة.
ويطرح هذا الملف مفارقة لافتة، تتمثل في كون المنطقة تتوفر أصلاً على منطقة صناعية مهيأة تمتد على حوالي 300 هكتار، أُحدثت خصيصاً لاستقبال الأنشطة الصناعية وتوفير شروط الاستثمار المنظم. وهو ما يجعل اختيار التوسع وسط المجال الفلاحي يثير المزيد من التساؤلات حول خلفيات هذا القرار وأسبابه الحقيقية.
إن ما يجري بسيدي التيجي لا يتعلق فقط بمصنع أو مشروع اقتصادي، بل يلامس جوهر إشكالية الحكامة الترابية وتطبيق القانون بشكل متساوٍ على الجميع. فحين يتعلق الأمر بأراضٍ فلاحية وباحترام تصاميم التهيئة والتراخيص، فإن أي تساهل أو غض طرف قد يتحول إلى سابقة خطيرة تشجع على مزيد من الفوضى والتجاوزات.
واليوم، تبدو السلطات الإقليمية والجهات المختصة أمام اختبار حقيقي. فإما أن يتم فتح تحقيق شفاف ومستقل يكشف للرأي العام حقيقة ما يجري ويرتب المسؤوليات عند الاقتضاء، أو أن يستمر الصمت بما يغذي الشكوك ويعمق الإحساس بوجود مناطق رمادية يصعب فيها التمييز بين سلطة القانون وسلطة النفوذ.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، يبقى ملف مصنع الجبس بأولاد جلالي عنواناً جديداً لمعركة قديمة تتعلق بمدى قدرة الدولة على فرض احترام القانون، وحماية الأراضي الفلاحية، والتصدي لأي محاولة لتحويل النفوذ إلى رخصة مفتوحة لتجاوز الضوابط والمساطر المعمول بها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد