الحيا يفجر ملف النظافة بالدار البيضاء: كيف فازت عروض أغلى وخسرت أخرى أقل تكلفة؟

هبة زووم – الدار البيضاء
عادت صفقات النظافة بمدينة الدار البيضاء إلى واجهة الجدل السياسي والتدبيري، بعدما أثار منتخبون بالمجلس الجماعي علامات استفهام كبيرة حول طريقة إعداد وإسناد بعض العقود المرتبطة بهذا القطاع الحيوي الذي يستهلك سنوياً مئات الملايين من الدراهم من المال العام.
وخلال أشغال الدورة الاستثنائية للمجلس، فجّر مصطفى الحيا، عضو فريق العدالة والتنمية، مجموعة من المعطيات التي اعتبرها مقلقة، متسائلاً عن المعايير التي تم اعتمادها في اختيار بعض الشركات الفائزة بالصفقات، رغم وجود عروض مالية أقل تكلفة.
وأكد الحيا أن إحدى الشركات تقدمت بعرض لا يتجاوز فارقُه واحداً في المائة مقارنة بعرض منافس، غير أن الصفقة رست في نهاية المطاف على شركة أخرى بعرض يفوق العرض الأول بنسبة تصل إلى 17 في المائة، وهو ما اعتبره أمراً يستدعي التوضيح والكشف عن مبررات هذا الاختيار للرأي العام.
وتطرح هذه المعطيات، بحسب متابعين، إشكالية جوهرية تتعلق بمدى احترام مبادئ النجاعة الاقتصادية وحماية المال العام، خاصة في ظل الوضعية المالية الصعبة التي تواجهها الجماعات الترابية والحاجة إلى ترشيد النفقات العمومية.
ولم يقتصر الجدل على طريقة إسناد الصفقات فقط، بل امتد أيضاً إلى مسألة التمديدات الممنوحة لبعض الشركات. ففي هذا السياق، أشار الحيا إلى أن قيمة التمديد المخصص لإحدى الشركات ارتفعت من 220 مليون درهم إلى 258 مليون درهم، أي بزيادة بلغت 38 مليون درهم، معتبراً أن هذا المعطى يطرح بدوره تساؤلات حول مدى احترام قواعد المنافسة وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
ويرى عدد من المتابعين أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في الأرقام، بل في غياب تواصل مؤسساتي كاف يشرح للرأي العام ولأعضاء المجلس الأسس التقنية والقانونية التي بُنيت عليها هذه الاختيارات، خاصة عندما يتعلق الأمر بعقود ذات كلفة مالية ضخمة تمس بشكل مباشر الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
وفي سياق متصل، وجه عضو المعارضة انتقادات حادة لما يعرف بصفقة منصة التثمين، واصفاً إياها بأنها من بين أكثر الصفقات إثارة للجدل في تاريخ الجماعة، بالنظر إلى الكلفة المالية التي ستتحملها المدينة مستقبلاً، معتبراً أن الجماعة مطالبة بمراجعة أسلوب التفاوض وتحصين مصالحها بشكل أكبر عند إبرام مثل هذه العقود الاستراتيجية.
ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد حول حكامة تدبير قطاع النظافة بالدار البيضاء، ومدى قدرة المجلس الجماعي على ضمان أفضل توازن بين جودة الخدمات والكلفة المالية، خصوصاً أن هذا القطاع ظل لسنوات موضوع انتقادات متواصلة بسبب حجم الاعتمادات المرصودة له مقارنة بمستوى الخدمات المقدمة على أرض الواقع.
كما يفتح الملف الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بفعالية آليات المراقبة والتتبع داخل الجماعة، ومدى خضوع الصفقات العمومية لمنطق المنافسة الحقيقية والشفافية الكاملة، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى قد تؤثر على حسن تدبير المال العام.
وأمام تصاعد هذه الأسئلة، ترتفع مطالب بضرورة نشر مختلف المعطيات المرتبطة بصفقات النظافة وتوضيح تفاصيلها للرأي العام، بما يعزز الثقة في المؤسسات المنتخبة ويكرس مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فحين يتعلق الأمر بمئات الملايين من الدراهم المخصصة لخدمة أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين، فإن الشفافية لم تعد خياراً سياسياً، بل أصبحت ضرورة لضمان سلامة التدبير وحماية مصالح المدينة وساكنتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد