الدار البيضاء: مشروع إعادة الإيواء بـ”لهراويين” بين رهانات الدولة وسقوط التدبير المحلي في مستنقع الفوضى
هبة زووم – أحمد الفيلالي
كان مشروع إعادة إيواء قاطني دور الصفيح بمنطقة لهراويين، أحد أبرز الأوراش الاجتماعية التي راهنت عليها الدولة لتوفير السكن اللائق ووضع حد لسنوات من الهشاشة والإقصاء، غير أن ما يجري اليوم على أرض الواقع يكشف أن جزءاً مهماً من هذا المشروع اصطدم بسوء التدبير وضعف المواكبة، الأمر الذي فتح الباب أمام الفوضى، وأتاح لشبكات تستغل هشاشة المستفيدين فرض منطقها خارج إطار القانون.
فالمقاربة التي اعتمدت في تنزيل المشروع، بحسب متابعين، ركزت على الجانب العمراني، بينما أغفلت البعد الاجتماعي والإداري والقانوني، وهو ما جعل آلاف الأسر تواجه واقعاً جديداً دون تأطير كاف أو مواكبة حقيقية تضمن انتقالاً سلساً إلى بيئة سكنية منظمة، فنجاح مشاريع إعادة الإيواء لا يقاس فقط بتشييد البنايات، بل بقدرة المؤسسات على حماية المستفيدين وتأمين محيطهم الاجتماعي والأمني.
وأمام هذا الفراغ، برزت مظاهر الفوضى بشكل لافت، حيث تتحدث معطيات متداولة عن ظهور مجموعات تمارس مختلف أشكال الابتزاز وفرض الإتاوات على بعض المستفيدين، تحت غطاء توفير “الحراسة” أو “الحماية”، في مشهد يسيء إلى مشروع يفترض أن يكون عنواناً للكرامة والاندماج الاجتماعي، لا بيئة خصبة لاقتصاد الريع والإجرام.
وفي المقابل، تشير معطيات محلية إلى أن التدخلات الأمنية التي يقودها قائد سرية الدرك الملكي ساهمت في تضييق الخناق على عدد من مظاهر الفوضى، من خلال اعتماد مقاربة ميدانية أكثر صرامة، وهو ما لقي ارتياحاً لدى عدد من السكان الذين يطالبون باستمرار هذه الجهود وعدم الاكتفاء بحملات ظرفية، حتى لا تستعيد الشبكات غير القانونية نشاطها بمجرد انتهاء التدخلات.
غير أن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة جذور الأزمة، فالمشكل، في جوهره، يرتبط أيضاً باختلالات في الحكامة والتتبع، وغياب آليات فعالة للمواكبة الاجتماعية والإدارية، الأمر الذي جعل المشروع يتحول، في بعض جوانبه، إلى فضاء مفتوح للتجاوزات واستغلال المستفيدين.
وتزداد خطورة الوضع مع تداول حديث عن وجود امتدادات وعلاقات مصلحية محتملة بين بعض المتورطين في نشر الفوضى وأطراف يفترض فيها حماية النظام العام، وهي معطيات، إن ثبتت صحتها، فإنها تستوجب فتح تحقيقات إدارية وقضائية دقيقة لتحديد المسؤوليات وربطها بالمحاسبة، وعدم الاكتفاء بمعالجة النتائج دون الأسباب.
إن الحفاظ على مصداقية مشاريع إعادة الإيواء يفرض اليوم تدخلاً حازماً وشاملاً، لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى مراجعة أساليب تدبير المشروع، وتعزيز المراقبة، وتأمين حقوق المستفيدين، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في استغلال هذا الورش الاجتماعي لتحقيق مصالح شخصية أو فرض واقع خارج سلطة القانون.
فلهراويين ليست مجرد مشروع سكني، بل اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على حماية الاستثمارات العمومية وصيانة كرامة المواطنين. وأي تهاون في مواجهة مظاهر الفوضى والابتزاز لن يهدد فقط نجاح المشروع، بل سيقوض الثقة في السياسات العمومية الرامية إلى القضاء على السكن غير اللائق، وهو ما يجعل التدخل العاجل والحازم ضرورة لا تحتمل المزيد من التأجيل.