هبة زووم – الدار البيضاء
يبدو أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار لم تستوعب بعد الدروس التي خلفتها الأزمات المتكررة داخل كليات الطب، إذ تتجه كلية طب الأسنان بالدار البيضاء بدورها نحو موسم جامعي ساخن، بعد إعلان مكتب الطلبة عزمه خوض أشكال تصعيدية قد تصل إلى مقاطعة شاملة للتداريب الاستشفائية، احتجاجاً على استمرار ما وصفه بسياسة التجاهل التي تنهجها الجهات الوصية.
فالبلاغ الصادر عن مكتب الطلبة لا يتحدث عن مطالب فئوية أو امتيازات إضافية، بل يسلط الضوء على اختلالات تمس جوهر التكوين الطبي، وفي مقدمتها الاكتظاظ المهول داخل فضاءات التداريب، وغياب الحد الأدنى من المواد والمعدات الطبية الضرورية لتكوين أطباء أسنان المستقبل. وهي معطيات تكشف أن الأزمة تجاوزت الجانب الإداري، وأصبحت تمس جودة التكوين وسلامة المنظومة الصحية برمتها.
والمثير للاستغراب أن الطلبة استنفدوا، بحسب بلاغهم، مختلف الأشكال النضالية والحوارية، من وقفات ومسيرات، دون أن يقابل ذلك أي تفاعل عملي من الجهات المسؤولة. وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا لا تتحرك الوزارة إلا بعد وصول الاحتقان إلى نقطة اللاعودة؟ وهل أصبح منطق تدبير الأزمات قائماً على انتظار الانفجار بدل معالجتها في مهدها؟
الأكثر إثارة أن مصلحة متعددة التخصصات والمستعجلات، التي يعول عليها لتخفيف الضغط على فضاءات التكوين، انتهت أشغال إنجازها منذ أشهر، ومع ذلك لا تزال خارج الخدمة، في مشهد يعكس بطئاً غير مفهوم في استثمار منشآت يفترض أن تخدم الطلبة والمرضى على حد سواء.
كما أن استمرار الخصاص في المعدات والمواد الطبية يفرغ التداريب الاستشفائية من مضمونها، ويجعل الطالب عاجزاً عن اكتساب المهارات التطبيقية التي تشكل أساس تكوين طبيب الأسنان. فكيف يمكن الحديث عن إصلاح منظومة التكوين الطبي، في الوقت الذي يجد فيه الطلبة أنفسهم أمام كراسٍ فارغة وأدوات مفقودة ومصالح عاجزة عن استيعاب أعدادهم؟
ولا تقف تداعيات هذا الوضع عند حدود الطلبة، بل تمتد إلى المرضى الذين يستفيدون من الخدمات العلاجية داخل المستشفى الجامعي، إذ إن أي مقاطعة شاملة للتداريب ستكون لها انعكاسات مباشرة على السير العادي للمصالح الاستشفائية، وهو ما تتحمل مسؤوليته الجهات التي فضلت الصمت بدل البحث عن حلول استباقية.
إن تكرار الأزمات داخل مؤسسات التكوين الطبي يبعث برسائل مقلقة حول طريقة تدبير هذا القطاع الحيوي، ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بالشعارات أو المذكرات، بل بتوفير الشروط الفعلية للتكوين، واحترام حق الطلبة في تعليم جامعي يستجيب للمعايير الأكاديمية والمهنية.
وأمام هذا الوضع، تبدو وزارة التعليم العالي مطالبة بالخروج من دائرة الانتظار، وفتح حوار مسؤول ينتهي بإجراءات عملية وملموسة، قبل أن تتحول أزمة كلية طب الأسنان بالدار البيضاء إلى حلقة جديدة في مسلسل الاحتقان الذي يطبع مؤسسات التكوين الطبي، وما يرافقه من اهتزاز في الثقة في قدرة الإدارة على تدبير الملفات الحساسة بعقلانية ونجاعة.
تعليقات الزوار