هبة زووم – أكادير
دخل مهرجان “تيميتار”، أحد أبرز التظاهرات الفنية والثقافية بمدينة أكادير، دائرة المساءلة العمومية، بعدما وجهت كل من فدرالية النسيج الجمعوي بأكادير، والنقابة المهنية لحماية ودعم الفنان، والمرصد المغربي لحقوق الإنسان بجهة سوس ماسة، مراسلة مشتركة إلى وزير الداخلية، ووالي جهة سوس ماسة عامل عمالة أكادير إداوتنان، ورئيس المجلس الأعلى للحسابات، تطالب فيها بفتح افتحاص مالي وإداري شامل للمهرجان، وإعادة تقييم جدوى استمراره بصيغته الحالية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يحتفل فيه المهرجان بدورته الحادية والعشرين، باعتباره أحد أكبر التظاهرات الفنية بالمغرب، والمستفيد من دعم مالي عمومي مهم، وسط تصاعد أصوات تعتبر أن حجم الأموال المرصودة له يستوجب إخضاعه لمعايير صارمة في الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ورغم المكانة التي راكمها “تيميتار” على مستوى البرمجة الفنية واستقطاب أسماء دولية، فإن الهيئات الموقعة على الملتمس ترى أن الوقت قد حان لطرح السؤال الجوهري: ماذا حقق المهرجان فعلاً للمدينة وساكنتها، وللفنانين المحليين، وللهوية الثقافية الأمازيغية، مقارنة بحجم الاعتمادات العمومية التي تُضخ فيه منذ أكثر من عقدين؟
وتؤكد الهيئات أن جهة سوس ماسة تزخر بجمعيات ثقافية ومدنية تنجز مبادرات نوعية بإمكانات محدودة، وتساهم في تثمين التراث الأمازيغي وتشجيع الإبداع المحلي وتحريك الدورة الاقتصادية لفائدة المهنيين والحرفيين، بينما يظل نصيب هذه المبادرات من الدعم محدوداً، في مقابل استمرار ضخ ميزانيات كبيرة في مهرجان بات، بحسب منتقديه، مطالباً بتقديم حصيلة دقيقة وشفافة تبرر استمرار هذا التمويل.
ولا تقف الانتقادات عند الجانب المالي، بل تمتد إلى ما تعتبره الهيئات ضعف إشراك الفنانين والكفاءات المحلية، وعدم منح الثقافة الأمازيغية المكانة التي تستحقها داخل البرمجة، فضلاً عن تسجيل ما وصفته بإقصاء عدد من أبناء المنطقة من المشاركة في مختلف محطات التظاهرة، وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى وفاء المهرجان لفلسفته الأصلية وأهدافه الثقافية.
وانطلاقاً من ذلك، طالبت الهيئات بفتح تحقيق مالي وإداري شامل يشمل جميع الأموال العمومية التي استفاد منها المهرجان منذ انطلاقته، مع التدقيق في مصادر التمويل وأوجه صرف الاعتمادات والتقارير المالية والأدبية، إلى جانب إنجاز تقييم مؤسساتي مستقل يقيس مردوديته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياحية، ومدى تناسب النتائج المحققة مع حجم الإنفاق العمومي.
كما ذهبت المطالب إلى حد الدعوة إلى إعادة النظر في استمرار المهرجان بصيغته الحالية، بل ووقف تمويله العمومي إذا أثبت الافتحاص أنه لا يحقق الأهداف المرجوة ولا يبرر حجم الأموال التي تُصرف عليه، مع توجيه تلك الموارد نحو مشاريع ثقافية وتنموية محلية قادرة على تحقيق أثر مباشر ومستدام لفائدة الفنانين والجمعيات والاقتصاد الاجتماعي بالجهة.
إن ما تطرحه هذه الهيئات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره موقفاً معادياً للفن أو للمهرجانات، بل هو دعوة إلى ترسيخ ثقافة الحكامة وربط الدعم العمومي بالمردودية والنتائج. فالأموال العمومية ليست ملكاً لأي جهة أو مؤسسة، وإنما هي أموال دافعي الضرائب، ومن حق الرأي العام أن يعرف كيف تُصرف، وما الذي حققته فعلياً على أرض الواقع.
واليوم، تبدو الكرة في ملعب المؤسسات الرقابية والجهات الوصية، التي باتت مطالبة بالتفاعل مع هذه المطالب، ليس فقط لحسم الجدل الدائر حول مهرجان “تيميتار”، بل أيضاً لتكريس مبدأ أن كل مشروع يستفيد من المال العام يجب أن يكون خاضعاً للمساءلة والافتحاص والتقييم، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو دعائية، حتى يظل دعم الثقافة مدخلاً للتنمية، لا باباً دائماً لإثارة الشبهات والتساؤلات.
تعليقات الزوار