27 سنة على رأس التلفزيون العمومي.. هل تحولت SNRT إلى شركة خاصة في ملكية فيصل العرايشي؟

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
لم يعد الجدل حول استمرار فيصل العرايشي على رأس الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة مجرد نقاش عابر، بل تحول إلى عنوان دائم لأزمة الحكامة داخل الإعلام العمومي.
فبعد سبعة وعشرين عاماً من التربع على رأس المؤسسة، يجد الرأي العام نفسه أمام تجربة استثنائية، ليس بسبب حجم الإنجازات، وإنما بسبب طول مدة البقاء في المنصب، في مشهد يطرح أسئلة حقيقية حول تداول المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
ففي دولة تتحدث باستمرار عن تجديد النخب، وضخ دماء جديدة في المؤسسات، يبدو أن التلفزيون العمومي يعيش خارج الزمن الإداري والسياسي، وكأن المغرب لم ينجب، طوال ما يقارب ثلاثة عقود، أي كفاءة قادرة على قيادة هذه المؤسسة الحساسة، التي يفترض أن تكون واجهة البلاد الإعلامية.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا قدمت هذه المرحلة الطويلة للمغاربة؟
إذا كانت سنوات التسيير تقاس بالنتائج، فإن حصيلة التلفزيون العمومي تظل، في نظر منتقديه، مثقلة بالإخفاقات أكثر مما هي حافلة بالنجاحات. فالقنوات العمومية، رغم الإمكانيات المالية الضخمة التي رصدت لها، فشلت في استعادة ثقة المشاهد المغربي، الذي فضل الهجرة نحو القنوات الأجنبية والمنصات الرقمية، بحثاً عن محتوى أكثر مهنية وجاذبية.
وفي المقابل، لا يزال ملف تدبير المال العام داخل القطاع السمعي البصري يثير الكثير من علامات الاستفهام، بالنظر إلى حجم الميزانيات التي ضخت في الإنتاجات التلفزية والدعم الموجه لشركات الإنتاج.
ويطالب متابعون بفتح تقييم مالي وإداري شامل يرصد بدقة أوجه صرف هذه الأموال، ومدى انعكاسها على جودة المنتوج الإعلامي والخدمة العمومية.
ويذهب منتقدون إلى أن المستفيد الأكبر من هذه المنظومة لم يكن المشاهد المغربي، وإنما شبكة من شركات الإنتاج وبعض الأسماء التي راكمت امتيازات مالية ضخمة عبر سنوات، بينما ظل مستوى البرامج والإنتاجات محل انتقاد دائم، دون أن يقابل ذلك أي ربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة.
وتزداد حدة الانتقادات عندما يتعلق الأمر بالدور الاستراتيجي للإعلام العمومي في الدفاع عن القضايا الوطنية. ففي الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهوداً كبيرة على المستويين الدبلوماسي والسياسي، يرى كثيرون أن التلفزيون العمومي لم ينجح في مواكبة هذه التحولات بالفعالية المطلوبة، ولم يتحول إلى قوة إعلامية قادرة على التأثير في الرأي العام الداخلي والخارجي، كما هو الحال في العديد من الدول.
إن استمرار مسؤول واحد على رأس مؤسسة إعلامية عمومية لمدة تناهز ثلاثة عقود لا ينبغي أن يمر دون تقييم موضوعي، فالمؤسسات لا تبنى بالأشخاص، بل بالكفاءة، والتجديد، والمساءلة، وتكافؤ الفرص. أما تحويل المناصب العليا إلى مواقع دائمة، فإنه يبعث برسائل سلبية حول فلسفة التدبير العمومي، ويغذي الإحساس بأن بعض المؤسسات أصبحت خارج منطق التداول والإصلاح.
واليوم، ومع اقتراب العرايشي من إتمام سبعة وعشرين عاماً في المنصب، لم يعد السؤال المطروح هو: هل يستمر أم لا؟ بل أصبح السؤال الأهم: من سيقيم حصيلة هذه المرحلة؟ ومن سيفتح نقاشاً وطنياً حقيقياً حول مستقبل الإعلام العمومي، وحول كيفية استرجاع ثقة المغاربة في مؤسسة يفترض أنها تمول من المال العام وتعمل لخدمة المصلحة العامة؟
لقد آن الأوان لأن يخضع الإعلام العمومي، بكل مسؤوليه وبرامجه وميزانياته، لافتحاص شامل وتقييم مستقل، لأن حماية المال العام، وضمان جودة الخدمة العمومية، وترسيخ مبدأ التداول على المسؤولية، ليست شعارات ترفع، بل التزامات دستورية لا يجوز أن تبقى مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد