هبة زووم – سطات
في الوقت الذي تحولت فيه شركات الاتصالات بالمغرب إلى فاعل حاضر بقوة في المشهد الثقافي والرياضي والترفيهي، من خلال رعاية السهرات والمهرجانات وتنظيم التظاهرات الصيفية ودعم الأندية والجمعيات، يبدو أن مدينة سطات تعاني من حالة غريبة من «انقطاع الشبكة» كلما تعلق الأمر بنصيبها من هذا السخاء الإشهاري والثقافي!
الشركات نفسها التي تملأ المدن المغربية بالإعلانات والأنشطة والحفلات، وتتنافس على الظهور أمام الجمهور، تجد طريقها بسهولة إلى جيوب المواطنين بسطات: تعبئات، اشتراكات، إنترنت، هواتف، وفواتير شهرية لا تعرف الانقطاع.
أما عندما يتعلق الأمر بتنظيم سهرة أو نشاط ثقافي أو رياضي يرد شيئاً من الجميل لساكنة المدينة، يبدو أن سطات تتحول فجأة إلى منطقة خارج التغطية!
المعادلة تبدو بسيطة ومزعجة في الوقت نفسه، فالمواطن السطاتي مستهلك كامل الأهلية عندما يتعلق الأمر بالدفع، لكنه يتحول إلى مجرد رقم عندما يتعلق الأمر بالاستفادة من جزء من النشاط الإشهاري والاجتماعي والثقافي لهذه الشركات.
فما الذي يمنع شركة اتصالات كبرى من تنظيم تظاهرة صيفية بسطات؟ ما الذي يمنعها من احتضان سهرة فنية أو نشاط رياضي أو تظاهرة شبابية؟ وهل أصبحت خريطة الرعاية والإشهار مرتبطة فقط بالمدن التي تحقق أعلى مردودية تجارية، بينما تُترك مدن أخرى لتؤدي دور المستهلك الصامت؟
فإذا كانت الشركات تبحث عن الجمهور، فالجمهور موجود في سطات، وإذا كانت تبحث عن المستهلك، فالمستهلك السطاتي يدفع مثل غيره، وإذا كانت تبحث عن الانتشار، فسطات ليست قرية معزولة عن المغرب، وإنما مدينة لها ساكنتها وشبابها وفرقها الرياضية وفعالياتها الثقافية.
لكن المسؤولية لا تقع على شركات الاتصال وحدها، فهنا يبرز سؤال أكثر إحراجاً لمنتخبي المدينة ومسؤوليها وفعالياتها: من يطرق أبواب هذه الشركات؟ من يرافع من أجل سطات؟ من يحمل ملفاً متكاملاً إلى شركات الاتصالات ويقول لها إن المدينة تستحق نشاطاً صيفياً يليق بساكنتها؟ ومن يقنع الشركات بأن دعمها لا ينبغي أن يتركز دائماً في المدن نفسها؟
فالاستثمار في صورة المدينة لا يأتي دائماً بمشروع بملايين الدراهم. أحياناً تكفي سهرة ناجحة، تظاهرة رياضية، مهرجان شبابي أو نشاط ثقافي لتقول الشركة إنها حاضرة في مدينة سطات، لكن يبدو أن بعض المسؤولين يفضلون انتظار المبادرة بدل صناعتها.
المشكلة الحقيقية ليست في إقامة سهرة من عدمها، وإنما في غياب رؤية تجعل المدينة جزءاً من الخريطة الوطنية للرعاية والاستثمار الثقافي والإشهاري، والشركات الكبرى تدرك جيداً أن الأنشطة الثقافية والرياضية أصبحت جزءاً من استراتيجيات التواصل وبناء العلامة التجارية.
فلماذا لا تكون سطات ضمن هذه الخريطة؟ ولماذا تتكرر أسماء المدن نفسها في برامج الصيف، بينما لا تجد سطات إلا نصيبها من الفواتير؟ ولماذا لا تتحرك الجماعة والمجلس الإقليمي والمنتخبون والفعاليات المحلية بشكل جماعي لطرق أبواب الشركات واقتراح مشاريع قابلة للتمويل والرعاية؟
ولكي يكون النقاش منصفاً، فإن المطلوب ليس أن تمنح شركات الاتصالات سطات «صدقة» أو أن تتحول إلى صندوق لتمويل السهرات، فالمطلوب هو شراكة حقيقية يستفيد منها الطرفان: الشركة من الحضور والترويج، والمدينة من النشاط الثقافي والرياضي والترفيهي.
وهذه الشراكات موجودة في مدن أخرى، فلماذا لا يمكن ابتكارها في سطات؟ بل إن غيابها يكشف أيضاً عن ضعف الترافع المحلي، لأن الشركات لا يمكن أن تعرف حاجيات المدينة أو فرص الاستثمار فيها إذا لم يجد من يقدم لها ملفاً مقنعاً.
في النهاية، لا أحد يطلب من شركات الاتصال أن تتحمل مسؤولية تنشيط مدينة بأكملها، لكن من حق السطاتيين أن يتساءلوا: إذا كانت شركات الاتصالات تجد في المدينة آلاف الزبناء، فلماذا لا تجد فيها فرصة واحدة لتنظيم نشاط صيفي؟ وإذا كانت شركات الاتصال قادرة على تمويل السهرات والمهرجانات في مختلف ربوع المملكة، فأين موقع سطات من خريطة هذه الشراكات؟
والأهم: هل المشكلة في أن الشركات لا تريد الحضور، أم أن المسؤولين المحليين لم يتكلفوا أصلاً عناء رفع السماعة والترافع؟ ربما لا تحتاج سطات إلى «ريزو» جديد.. بل تحتاج إلى منتخبين يعرفون كيف يستعملون الريزو الموجود!
لأن المدينة لا ينبغي أن تكون «متصلة» بالشركات فقط عندما يحين موعد أداء الفاتورة، ثم تصبح «خارج التغطية» عندما يتعلق الأمر بالثقافة والترفيه والاستفادة من الرعاية.
تعليقات الزوار