هبة زووم – الدار البيضاء
لم يكن حسم حزب الاستقلال، بحسب المعطيات المتداولة، في اسم الطبيبة سلمى العلمي لقيادة لائحته الجهوية النسائية بجهة الدار البيضاء–سطات مجرد قرار تنظيمي عادي يمر في هدوء.
فخلف الإعلان عن الاسم، أو ما سبق تداوله بشأنه، تطرح أسئلة ثقيلة حول الطريقة التي تُصنع بها التزكيات داخل الأحزاب، وحول مصير مناضلات راكمن سنوات من العمل التنظيمي قبل أن يجدن أنفسهن، مرة أخرى، أمام قرار يبدو أنه نزل من أعلى الهرم.
السؤال هنا لا يتعلق بالطبيبة سلمى العلمي كشخص، ولا بكفاءتها المهنية، ولا بحق الحزب في الانفتاح على الكفاءات، بل يتعلق قبل كل شيء بمنطق الاختيار نفسه: كيف تم الحسم؟ وبأي معايير؟ ومن شارك فعلياً في اتخاذ القرار؟
فإذا كان اختيار العلمي قد تم بناء على معايير موضوعية وشفافة، فإن من حق الرأي العام الاستقلالي، ومن حق المناضلات اللواتي نافسن على التزكية، أن يعرفن هذه المعايير.
أما إذا كان الأمر مجرد قرار جرى طبخه في الكواليس ثم تقديمه كاختيار تنظيمي منتهٍ، فإن الحزب سيكون أمام سؤال أكبر من اسم وكيلة اللائحة نفسها: ما قيمة التنظيمات والقواعد والمناضلات إذا كانت القرارات الحاسمة تُطبخ بعيداً عنهن؟
لقد تحولت التزكيات في عدد من الأحزاب إلى موسم للكواليس والشد والجذب والوساطات. وحزب الاستقلال، الذي يفترض أن يتوفر على رصيد تنظيمي وتاريخ سياسي طويل، مطالب اليوم بتقديم نموذج مختلف، لا بإعادة إنتاج منطق القرار العمودي الذي يختار من يشاء ثم يطلب من الجميع الاصطفاف والتصفيق.
والأكثر حساسية في هذه القضية هو وضع المناضلات الاستقلاليات بجهة الدار البيضاء–سطات. نساء قضين سنوات داخل التنظيم، حضرن في الحملات، واشتغلن في الفروع والروابط والهياكل، وراكم بعضهن تجربة سياسية وتنظيمية، قبل أن يجدن أنفسهن أمام منافسة قد لا تكون شروطها واضحة بما يكفي.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: أين هن المناضلات الاستقلاليات اللواتي انتظرن سنوات من أجل فرصة سياسية حقيقية؟ وهل يكفي أن تكون المرشحة صاحبة مسار مهني ناجح حتى تتقدم تلقائياً على مناضلات راكمن تجربة سياسية داخل الحزب؟
لا أحد ينكر أن الانفتاح على الكفاءات، بمن فيهن مغاربة العالم، يمكن أن يشكل إضافة للحياة السياسية. لكن استقطاب الكفاءات شيء، وتحويلها مباشرة إلى واجهة انتخابية فوق رؤوس التنظيمات شيء آخر.
فالبرلمان ليس مؤسسة تمنح المقاعد بناء على الشهادات والسير الذاتية فقط. والسياسة ليست امتداداً تلقائياً للنجاح المهني. البرلمانية تحتاج إلى معرفة بالميدان، وقدرة على التواصل، وفهم لتعقيدات جهة بحجم الدار البيضاء–سطات، وارتباط حقيقي بقضايا السكان، ثم قدرة على الترافع والتأثير داخل المؤسسة التشريعية.
ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لسلمى العلمي، في حال تأكد اختيارها، لن يبدأ عند حصولها على التزكية، بل عندما تنزل إلى الميدان. هل ستنجح في التحول من اسم مهني إلى فاعلة سياسية قادرة على بناء حضور حقيقي؟ وهل ستحتضنها التنظيمات المحلية، أم أن بعض المناضلات سيجدن أنفسهن مطالبات بتسويق قرار لم يشاركن في صناعته؟
أما قيادة الحزب، وفي مقدمتها المسؤولون المكلفون بتدبير مرحلة التزكيات، فهي مطالبة بتقديم جواب واضح: هل كانت العملية فعلاً مفتوحة وشفافة وتنافسية، أم أن الكواليس كانت صاحبة الكلمة الأخيرة؟
لأن الأزمة الحقيقية للأحزاب ليست في ندرة الأسماء، بل في الطريقة التي تُصنع بها هذه الأسماء. نتحدث باستمرار عن تجديد النخب، ثم نجد المنطق نفسه يتكرر: قرار في الأعلى، وانتظار في الأسفل، وصراع بين المرشحين، ثم تزكية جاهزة.
إن الكوطا النسائية لم تُوجد لتصبح مجرد باب خلفي لصناعة نخبة جديدة بقرار من القيادات، ولا لتتحول إلى جائزة انتخابية توزع في آخر لحظة. الهدف منها كان تصحيح اختلال تاريخي في تمثيلية النساء وفتح المجال أمام كفاءات نسائية حقيقية.
لكن عندما تصبح المنافسة على الوصول إلى مكتب القرار أهم من المنافسة على البرامج والمشاريع، وعندما تتحول سنوات النضال إلى مجرد تفصيل أمام الحسابات الداخلية، فإننا نكون أمام إعادة إنتاج الأزمة ذاتها بوجوه جديدة.
فالمطلوب اليوم من حزب الاستقلال ليس الدفاع عن اسم أو مهاجمة الأسماء المنافسة، وإنما كشف قواعد اللعبة. من اقترح؟ ومن ناقش؟ ومن قرر؟ وما هي المعايير التي رجحت كفة مرشحة على أخرى؟ لأن المناضلات لا يحتجن إلى خطابات عن الديمقراطية الداخلية، بل إلى ممارستها.
وفي النهاية، قد تكون سلمى العلمي اختياراً موفقاً، وقد تثبت في الميدان أنها إضافة حقيقية للحزب وللجهة. لكن نجاح الاسم لا يلغي مشروعية السؤال حول طريقة اختياره.
فحين يصبح القرار التنظيمي غامضاً، تتحول التزكية إلى مادة للشك. وحين تشعر القواعد بأن الأبواب تُفتح للبعض من فوق بينما تظل سنوات النضال في الأسفل بلا مقابل سياسي، فإن الحديث عن تجديد النخب يصبح مجرد شعار جميل.
إنها ليست قضية سلمى العلمي وحدها، ولا قضية حزب الاستقلال وحده، بل قضية نموذج كامل في تدبير التزكيات: هل نريد أحزاباً تصنع مرشحيها داخل المؤسسات والتنظيمات، أم أحزاباً تستيقظ كلما اقتربت الانتخابات لتبحث عن الوجوه المناسبة ثم تضعها فوق اللوائح؟ والفرق بين الأمرين هو الفرق بين تجديد السياسة وتجديد الواجهة فقط.
تعليقات الزوار