هبة زووم – الرباط
يبدو أن موجة الغلاء لم تعد تستثني حتى المواد الغذائية الأكثر ارتباطاً بالمائدة اليومية للمغاربة، بعدما سجلت أسعار البطاطس ذات الجودة الجيدة بسوق الجملة للخضر والفواكه بمدينة الدار البيضاء ارتفاعاً ملحوظاً، لتصل إلى حوالي 6.5 دراهم للكيلوغرام الواحد.
رقم قد يبدو عادياً بالنسبة للبعض، لكنه يكتسب دلالات أخرى حين يتعلق الأمر بمادة غذائية تعد من أساسيات الاستهلاك اليومي، وحين يكون الارتفاع مسجلاً داخل سوق الجملة، أي قبل أن تضيف حلقات التوزيع وهوامش الربح كلفتها الخاصة، ليصل الثمن إلى المستهلك النهائي مضاعفاً في عدد من الأسواق والمحلات.
والأكثر إثارة للتساؤل أن ارتفاع سعر البطاطس الجيدة يأتي، بحسب المعطيات المتوفرة، في فترة تعرف تراجعاً نسبياً في الإقبال على سوق الجملة بسبب العطلة الصيفية ومغادرة عدد من المواطنين للدار البيضاء. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: كيف ترتفع الأسعار في وقت يتراجع فيه الطلب؟
فمنطق السوق التقليدي يفترض، في الحالات العادية، أن يؤدي انخفاض الطلب إلى استقرار الأسعار أو تراجعها، لا إلى ارتفاعها، أما أن يصبح ضعف الإقبال مبرراً ضمنياً لارتفاع الأسعار، فإن ذلك يفرض فتح نقاش جدي حول حقيقة العوامل التي تتحكم في أثمنة المواد الأساسية، وحول دور الوسطاء والمضاربين وحلقات التوزيع التي غالباً ما تبقى بعيدة عن أعين المستهلك.
وتكشف المعطيات أيضاً أن البطاطس ذات الجودة العالية يتم فرزها وعزلها قبل توجيه جزء مهم منها نحو محلات الوجبات السريعة والمطاعم والمقاهي، التي تعتمد عليها في إعداد الوجبات المقلية، وفي المقابل، يجد المستهلك العادي نفسه أمام أصناف أقل جودة تتراوح أسعارها بين 3 و4 دراهم للكيلوغرام.
وهنا تبرز مفارقة اجتماعية واضحة: أفضل المنتوجات تتجه نحو الأنشطة التجارية القادرة على تحقيق هامش ربح، بينما يُدفع المواطن، الذي يشتري من أجل استهلاكه اليومي، نحو خيارات أقل جودة، وكأن الجودة أصبحت امتيازاً تجارياً لا حقاً عادياً للمستهلك.
ولا يتعلق الأمر بالبطاطس وحدها، بل بمنظومة أوسع من الاختلالات التي تجعل أسعار المواد الغذائية تتحرك في اتجاه واحد، غالباً نحو الأعلى، بينما تبقى تفسيرات هذه الزيادات غامضة أو غير مقنعة. فالمواطن لا يعنيه كثيراً أن يسمع عن تقلبات السوق بقدر ما يعنيه أن يعرف لماذا يشتري اليوم المادة نفسها بسعر أعلى، ومن المستفيد الحقيقي من الفارق بين سعر الضيعة وسعر سوق الجملة وسعر البيع النهائي.
إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتسجيل الأرقام، بل إخضاع مسارات التسويق والتوزيع والمضاربة للمراقبة الفعلية، فأسواق الجملة يفترض أن تشكل آلية لتأمين التموين وتنظيم الأسعار، لا فضاءً تتحول فيه المواد الأساسية إلى رهينة حسابات لا يعرف المواطن عنها شيئاً.
وعندما يصبح ارتفاع سعر البطاطس، وهي من أكثر المواد حضوراً على موائد الأسر، خبراً عادياً، فإن الخطر الحقيقي هو أن يتحول الغلاء نفسه إلى أمر مألوف، وأن يعتاد المواطن تدريجياً على دفع المزيد مقابل الحصول على الأساسيات.
فالمستهلك المغربي لا يحتاج إلى تبريرات موسمية جديدة، بل إلى شفافية حقيقية حول الأسعار، ومراقبة صارمة لمسالك التوزيع، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في المضاربة أو التلاعب.
لأن السؤال لم يعد فقط: لماذا وصلت البطاطس الجيدة إلى 6.5 دراهم في سوق الجملة؟ بل الأهم: بكم ستصل إلى مائدة المواطن؟ ومن يراقب الطريق الطويلة بين سوق الجملة وجيب المستهلك؟
تعليقات الزوار