هبة زووم – المحمدية
لا تنحصر مظاهر الفوضى التي تواجهها أحياء مدينة المحمدية في احتلال الملك العمومي من طرف الباعة الجائلين، أو انتشار النفايات والمتلاشيات، أو تحول بعض البقع الفارغة والمهجورة إلى نقاط سوداء تستقطب مختلف أشكال السلوكيات غير السوية، بل باتت ظاهرة أخرى تفرض نفسها بقوة على المشهد الحضري، ويتعلق الأمر بالسيارات المتخلى عنها التي تحولت جنبات عدد من الأزقة والشوارع إلى أماكن دائمة لركنها.
سيارات أنهكها الصدأ، وأخرى تعرضت لحوادث سير أو تعطلت محركاتها، فيما توجد سيارات أخرى ظلت مهجورة لأسباب مختلفة، من بينها وفاة أصحابها أو التخلي عنها لاعتبارات أخرى، لتبقى مركونة في المكان نفسه لأشهر، بل لسنوات، وكأنها أصبحت جزءاً من أثاث الشارع.
وتكشف جولة في عدد من الأحياء عن مشاهد لسيارات فقدت منذ مدة طويلة وظيفتها الأصلية، لكنها ما تزال تحتل أجزاء من الطريق أو الأرصفة، في انتظار تدخل يضع حداً لهذا الوضع.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه المركبات من مجرد سيارات متوقفة إلى متلاشيات حضرية، تتراكم حولها الأزبال، وتصبح أماكن ملائمة لتجمع الحشرات والقوارض، فضلاً عما تسببه من تشويه للمشهد العام واستنزاف لمساحات يفترض أن تكون مخصصة لحركة السيارات والراجلين.
والأكثر إثارة للانتباه، وفق ما تثيره الساكنة، أن بعض هذه السيارات لا تختفي من المشهد لأيام أو أسابيع، وإنما تستمر في احتلال أماكنها لفترات طويلة، بما يجعل السؤال مطروحاً حول آليات رصد هذه المركبات وتحديد وضعيتها القانونية والجهة المكلفة بالتدخل بشأنها.
وسبق أن شهدت المدينة حملات استهدفت رفع بعض السيارات المتخلى عنها، غير أن هذه التدخلات، بحسب ما يلاحظ سكان عدد من الأحياء، لم تنجح في وضع حد نهائي للظاهرة.
فبعد توقف الحملات، سرعان ما تعود السيارات المهجورة إلى الظهور، بل إن استمرار ترك بعضها في أماكنها لفترات طويلة يطرح سؤالاً حول مدى نجاعة المقاربة المعتمدة: هل المطلوب حملات ظرفية كلما تفاقمت الظاهرة، أم وضع آلية دائمة للرصد والتبليغ والرفع والمعالجة؟
إن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن ترتبط فقط بحملات موسمية، لأن السيارة التي تتحول إلى متلاشية في المجال الحضري قد تصبح، مع مرور الوقت، مشكلة بيئية وصحية وجمالية، فضلاً عن كونها تشغل حيزاً من الملك العمومي.
وتزداد خطورة المشهد عندما تتحول المساحات المحيطة بهذه السيارات إلى نقاط لتجميع النفايات، أو إلى أماكن لتكاثر الحشرات والقوارض، كما أن وجود مركبات مهجورة لفترات طويلة قد يساهم في خلق فضاءات غير مراقبة، وهو ما يثير لدى السكان تساؤلات بشأن ما قد يجري في محيطها، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود ممارسات مخالفة في كل حالة.
لكن مجرد تحول بعض السيارات المهجورة إلى نقاط يصعب مراقبتها وتنظيفها بشكل منتظم، يفرض، بحسب السكان، تدخلاً أكثر نجاعة وتنسيقاً بين مختلف المصالح المتدخلة.
المشكلة، في نظر عدد من السكان، لا تتعلق فقط بوجود سيارات مهجورة، وإنما بغياب معالجة مستدامة للظاهرة، وهنا تبرز الحاجة إلى تحديد واضح للمسؤوليات، سواء تعلق الأمر بالمصالح الجماعية أو السلطات المحلية أو الجهات المختصة في مجال السير والجولان والبيئة، كل بحسب اختصاصه، من أجل حصر السيارات التي فقدت صلاحيتها أو تم التخلي عنها، والتحقق من وضعيتها، ثم اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بشأنها.
كما أن اعتماد قاعدة بيانات أو آلية للتبليغ عن السيارات المهجورة، مع تحديد آجال للتدخل، يمكن أن يساهم في منع تحول هذه المركبات إلى متلاشيات دائمة في الشوارع والأزقة.
ولا يمكن فصل ملف السيارات المتخلى عنها عن الصورة العامة التي تطرحها بعض أحياء المحمدية بشأن النظافة، وتدبير المجال العمومي، وصيانة المرافق، ومحاربة مختلف مظاهر التشوه الحضري.
فالمدينة، التي يفترض أن تستفيد من موقعها وحركيتها ومؤهلاتها، تحتاج إلى تدبير حضري يجعل نظافة المجال وصيانة الأزقة والشوارع والتعامل مع النقاط السوداء جزءاً من سياسة يومية مستمرة، لا مجرد حملات متقطعة تنتهي بانتهاء التدخل الميداني.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه الساكنة لا يتعلق فقط بمن يملك صلاحية رفع هذه السيارات، وإنما أيضاً بسبب ترك بعضها لسنوات دون معالجة، وكيف يمكن منع تكرار الظاهرة بعد كل حملة.
فهل تتحرك المصالح المختصة لوضع حد لمشهد «مقابر السيارات» الذي بدأ يفرض نفسه على عدد من أحياء المحمدية، أم ستظل هذه المتلاشيات شاهدة على اختلال في تدبير المجال الحضري، إلى حين حملة جديدة؟
تعليقات الزوار