هبة زووم – الرباط
في كل موسم انتخابي، لا تكتفي الأحزاب السياسية بملء الساحات والفضاءات العمومية بالشعارات واللافتات، بل يبدو أن بعض جدران المدارس العمومية تتحول بدورها إلى مساحات مجانية لتخليد رموز المتنافسين، في مشهد يرى الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي أنه يلخص جانباً من العبث الذي يرافق الاستحقاقات الانتخابية.
وفي تدوينة جديدة، اختار اليحياوي أن يفتح ملفاً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل دلالات أعمق حول علاقة السياسة بالمدرسة العمومية، متوقفاً عند ظاهرة تلطيخ أسوار وجدران وواجهات المؤسسات التعليمية، خلال كل انتخابات، بأرقام ورموز الأحزاب المتنافسة.
اليحياوي يتحدث بسخرية عن نحو 27 حزباً تترك، مع كل استحقاق انتخابي، بصماتها على جدران المدارس، مستخدمة، بحسب وصفه، صباغة سوداء رديئة، في مشهد لا يلوث واجهات المؤسسات التعليمية فحسب، بل يشوه، أحياناً، الجداريات الفنية التي أنجزها التلاميذ داخل مؤسساتهم.
وهنا تتجاوز المسألة مجرد تشويه بصري، فحين تُمحى لوحة فنية أنجزها تلاميذ بأيديهم وحساسيتهم، ليحل مكانها رقم أو رمز حزبي، فإن الرسالة تصبح أكثر فجاجة: السياسة الانتخابية تزيح التعبير التربوي والجمالي للأطفال من فوق جدار المدرسة لتضع عليه رمزاً انتخابياً مؤقتاً.
والمفارقة، وفق اليحياوي، أن هذه الآثار لا تختفي بمجرد انتهاء الانتخابات، فالوليمة الانتخابية تنتهي، والمرشحون يغادرون، والنتائج تعلن، لكن أرقام الأحزاب ورموزها قد تظل معلقة على الجدران إلى حين الانتخابات المقبلة وربما بعد ذلك، دون أن يبدو أن أحداً يتذكر أن المدرسة مؤسسة تربوية لها حرمتها وصورتها ووظيفتها.
والسؤال الذي يطرحه هذا المشهد بحدة هو: من المسؤول عن إعادة المدارس إلى وضعها الطبيعي بعد انتهاء الحملات الانتخابية؟ ولماذا لا تفرض السلطات على الأحزاب استعمال وسائل دعائية قابلة للإزالة، بدل تحويل الجدران والأسوار إلى أرشيف دائم لمواسم انتخابية عابرة؟
اليحياوي لا يحمل المسؤولية للأحزاب وحدها، بل يوجه سهامه أيضاً إلى الوزارة الوصية، معتبراً أن استمرار الظاهرة يعكس، في تقديره، غياب موقف مؤسساتي حازم يحمي حرمة المدرسة العمومية.
فلو كانت المدرسة تحظى بالمكانة التي تستحقها، يقول اليحياوي في جوهر انتقاده، لكان من الطبيعي أن توجد قواعد واضحة تمنع استغلال واجهات المؤسسات التعليمية بهذه الطريقة، أو على الأقل تلزم المتنافسين بإزالة آثار حملاتهم فور انتهاء الانتخابات.
لكن المفارقة الأكبر تظهر عندما ننتقل من جدار المدرسة إلى داخلها، ففي الوقت الذي تنشغل فيه الأحزاب بترك رموزها على جدران المؤسسات التعليمية، يذكّر اليحياوي بواقع آلاف المدارس، خصوصاً في العالم القروي، حيث ما تزال قضايا الماء والكهرباء والمرافق الصحية تطرح أسئلة ثقيلة حول الأولويات الحقيقية للسياسة التعليمية.
وهنا تصبح المقارنة قاسية: الأحزاب تجد المال والوسائل والوقت للوصول إلى جدران المدارس في موسم الانتخابات، بينما تظل مدارس أخرى في حاجة إلى أبسط شروط التمدرس.
ومن هذه المفارقة ينطلق اليحياوي ليوجه رسالته الساخرة إلى صاحب الوعد الانتخابي الذي يتحدث عن إمكانية وصول المغرب إلى الرتبة السادسة عالمياً في التعليم إذا أصبح رئيساً للحكومة.
فالرتبة السادسة عالمياً تبدو، في هذا السياق، حلماً بعيداً إذا كانت المدرسة لا تزال مطالبة أولاً بالدفاع عن جدرانها، وإذا كانت بعض المؤسسات التعليمية لا تزال تنتظر الماء والكهرباء والمراحيض.
المشكلة إذن ليست في رقم انتخابي مرسوم على حائط فقط، وإنما في الأولوية التي تمنحها الدولة والأحزاب للمدرسة، هل هي فضاء للتربية والتعلم وصناعة المستقبل، أم مجرد جدار إضافي يمكن أن يحمل رقم هذا الحزب أو رمز ذاك المرشح كلما اقترب موعد الاقتراع؟
وبينما تتنافس الأحزاب على أصوات الناخبين، يطرح اليحياوي سؤالاً أكثر عمقاً: إذا كانت المدرسة العمومية لا تحظى حتى بحماية جدرانها من العبث الانتخابي، فكيف يمكن إقناع المغاربة بأنها في طريقها إلى الرتبة السادسة عالمياً؟
فالطريق إلى القمة، إن كان جدياً، لا يبدأ بالشعارات، يبدأ من مدرسة نظيفة، ومؤسسة مصانة، وتلميذ يتوفر على الماء والكهرباء والمراحيض، وتعليم يحترم كرامته قبل أن يعده بالرتب العالمية.
تعليقات الزوار