من الجبر والفلك إلى “الجهاد والعبودية”.. اليحياوي ينتقد انقلاباً على صورة الإسلام في مدارس تكساس

هبة زووم – الرباط
فتح الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، في تدوينة جديدة، ملفاً شديد الحساسية يتعلق بالطريقة التي يجري بها تقديم الإسلام وتاريخ الحضارة الإسلامية داخل المناهج التعليمية بولاية تكساس الأمريكية، معتبراً أن ما يجري يتجاوز مجرد تعديل تقني في المقررات الدراسية إلى معركة حول الذاكرة والتاريخ والصورة التي ستُقدَّم بها الأديان والحضارات للأجيال المقبلة.
وتأتي تدوينة اليحياوي في سياق قرار مجلس التعليم بولاية تكساس اعتماد مراجعات واسعة لمعايير الدراسات الاجتماعية، على أن يبدأ تطبيق التغييرات الجديدة تدريجياً ابتداءً من السنة الدراسية 2030-2031. المجلس أعلن أن الإصلاح يرمي إلى إعادة تنظيم تدريس التاريخ وفق تسلسل زمني، مع تركيز أكبر على أسس الحضارة الغربية والقيم التي يعتبرها مرتبطة بتأسيس الولايات المتحدة وتكساس، ير أن مضمون بعض التعديلات أثار اعتراضات واسعة، خصوصاً في ما يتعلق بطريقة تقديم التاريخ الإسلامي.
فبحسب تقارير صحفية أمريكية، تتضمن المعايير الجديدة توجيهاً للطلاب إلى دراسة الإسلام المبكر من خلال الإشارة إلى الحملات العسكرية للنبي محمد، والعبودية وأسر النساء، فضلاً عن ربط هجمات 11 شتنبر 2001 بما يسمى “الإسلام الراديكالي”، كما رفض المجلس إعادة إدراج معيار كان يتناول إسهامات المسلمين في الجبر وعلم الفلك، وهي نقطة أثارت احتجاجات من مسلمين وطلاب وأكاديميين شاركوا في جلسات مناقشة التعديلات.
ولم يكن الاعتراض على هذه الصياغات صادراً فقط عن ممثلين عن الجالية المسلمة؛ إذ أشارت تقارير إلى أن بعض الخبراء الذين عيّنهم المجلس نفسه أبدوا تحفظات على الصياغات المتعلقة بالإسلام، واعتبروا بعضها غير متماسك مع التدقيق التاريخي الأكاديمي، محذرين من إدراج روايات لا تستند، في نظرهم، إلى مصادر تاريخية محكمة بما يكفي.
ومن هنا، يرى اليحياوي أن المسألة تستحق أكثر من مجرد تسجيل موقف عابر، لأنها تطرح سؤالاً أوسع: من يملك حق كتابة التاريخ؟ ومن يحدد الصورة التي ينبغي أن يحملها جيل كامل عن دين وحضارة ومجتمع؟
وفي قراءته، يلفت اليحياوي إلى المفارقة التي يعتبرها صارخة في الانتقال من التركيز على جوانب الحرب والعبودية والصراع في التاريخ الإسلامي إلى تراجع حضور الإسهامات الإسلامية في العلوم والمعارف، وخاصة الجبر والفلك. وهذه النقطة الأخيرة لها أساس واضح في مسار المراجعة، إذ تؤكد تقارير متابعة الملف أن المجلس حذف معياراً كان يطلب من التلاميذ التعرف على الإسهامات الإسلامية في الجبر وعلم الفلك.
لكن الصورة، في المقابل، لا تخلو من تعقيد. فالمعايير الجديدة لا تقتصر على الإسلام، وإنما تعيد ترتيب تدريس التاريخ برمته ضمن رؤية تركز بصورة أكبر على الحضارة الغربية وتاريخ الولايات المتحدة وتكساس. كما تتضمن المناهج الجديدة عناصر تتعلق بتاريخ إسرائيل القديم والتقاليد العبرية والوصايا العشر وتأثير بعض التعاليم العبرية في القانون والثقافة الأمريكية.
وفي الجانب الأدبي، اعتمدت تكساس قائمة واسعة من الأعمال المقترحة أو المطلوبة للقراءة، من بينها كتاب “الليل” لإيلي فيزل، الذي يتناول تجربة الكاتب اليهودي في معسكرات الاعتقال النازية. ومن المقرر أن تدخل قائمة القراءة الجديدة حيز التنفيذ تدريجياً ابتداءً من 2030-2031.
وهنا يضع اليحياوي السؤال في صيغة أكثر استفزازاً للضمير العربي والإسلامي: إذا كانت المؤسسات التعليمية والسياسية في الولايات المتحدة تعيد صياغة الطريقة التي سيتعرف بها ملايين التلاميذ على الإسلام والمسلمين، فأين هو الإنتاج العلمي والتاريخي المضاد القادر على تقديم رواية أكاديمية موثقة ومتوازنة عن الحضارة الإسلامية؟
فالمشكلة، وفق هذه القراءة، لا تتوقف عند الاحتجاج على صياغة هنا أو حذف درس هناك، وإنما تتعلق أيضاً بغياب الحضور العلمي والمؤسساتي للعالم الإسلامي في معركة إنتاج المعرفة.
ذلك أن الدفاع عن تاريخ الإسلام لا يمكن اختزاله في بيانات تنديد أو منشورات غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي. فالتاريخ لا يحميه الصراخ، وإنما تحميه الجامعة، ومراكز البحث، والترجمة، والكتب المدرسية، والباحثون، والمؤسسات القادرة على إنتاج المعرفة وتقديمها إلى العالم بلغة أكاديمية يفهمها الآخرون.
والسؤال الذي يطرحه اليحياوي في نهاية تدوينته، بصيغة مباشرة، يبدو موجهاً بالقدر نفسه إلى الغرب وإلى العالم الإسلامي: إذا كان هناك من يقرر كيف سيتعلم ملايين التلاميذ تاريخ الإسلام، فمن يدافع عن هذا التاريخ من داخل العالم الإسلامي نفسه؟
وبينما تدخل تكساس مرحلة جديدة في إعادة صياغة مناهجها، يبقى السؤال الأكبر مفتوحاً: هل سيكتفي العالم الإسلامي بمراقبة ما يكتب الآخرون عن تاريخه، أم سينتقل إلى بناء مؤسسات علمية قادرة على كتابة تاريخه بنفسه، بعيداً عن التقديس الأعمى من جهة، والتشويه أو الاختزال من جهة أخرى؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد