هبة زووم – خريبكة
هناك مدن لا تحتاج إلى من يشرح لها معنى التهميش. يكفي أن تجلس مع شبابها، أو مع أصحاب الحرف والتجار والعمال، وأن تطرح سؤالاً بسيطاً لكنه ثقيل: ماذا أعطتكم كل هذه الثروة المحيطة بكم؟
في خريبكة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً، لأن المدينة لا توجد في هامش الخريطة الاقتصادية للمغرب، بل توجد في قلب واحدة من أهم الثروات المعدنية التي ارتبط بها تاريخ الصناعة الوطنية لعقود طويلة.
ومع ذلك، تكشف أرقام الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 عن مفارقة تستحق التوقف عندها. فقد بلغ معدل البطالة بإقليم خريبكة 29.5 في المائة، وارتفع إلى 30.9 في المائة في الوسط الحضري، بينما بلغ لدى النساء 41.4 في المائة، وهي أرقام تضع سؤال التشغيل والتنمية المحلية في صدارة النقاش حول مستقبل الإقليم.
هنا تحديداً تتجاوز القضية حدود الأرقام، فخريبكة ليست مجرد مدينة تتوفر على مورد طبيعي، بل هي جزء من تاريخ طويل للصناعة الفوسفاطية بالمغرب. ويؤكد المكتب الشريف للفوسفاط أن حوض خريبكة من أبرز مناطق استخراج الفوسفاط بالمملكة، كما ارتبطت المدينة منذ بدايات استغلال المناجم ببناء المساكن والتجهيزات وخلق محيط اجتماعي واقتصادي حول النشاط المنجمي.
لكن بعد كل هذه العقود، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل تحولت الثروة إلى تنمية مستدامة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟ فالمواطن لا يقيس التنمية بعدد المشاريع التي أُعلن عنها، ولا بعدد الصور التي التُقطت خلال التدشينات، ولا بعدد المخططات التي حملت عناوين براقة.
التنمية، بالنسبة إليه، هي فرصة شغل، ومدرسة جيدة، وخدمات صحية لائقة، ونقل مناسب، وفضاءات للشباب، ونسيج اقتصادي قادر على خلق الثروة خارج النشاط المرتبط بالمناجم.
وخريبكة عرفت، على امتداد السنوات، تعاقب مسؤولين إداريين ومنتخبين ومجالس ومؤسسات وبرامج ومخططات. جاء عامل وغادر عامل، تغير مجلس وجاء مجلس آخر، وتبدلت الوجوه، وارتفعت شعارات التنمية، وأطلقت أوراش ومشاريع، وتغيرت الأولويات.
لكن السؤال الأساسي ظل حاضراً: ماذا تغير فعلاً بالنسبة إلى المواطن؟ لا يتعلق الأمر هنا بشخص واحد حتى تُعلّق عليه كل إخفاقات الإقليم، كما لا يمكن اختزال عقود من التدبير في اسم عامل أو منتخب أو مسؤول بعينه، مهما تعددت الملاحظات حول مرحلة من المراحل.
المسؤولية، في نهاية المطاف، تراكمية؛ تتوزع بحسب الاختصاصات والأدوار بين المجالس المنتخبة، والإدارة الترابية، والقطاعات الحكومية، والمؤسسات العمومية، والفاعلين الاقتصاديين، والبرامج والمشاريع التي أُعلنت ثم نُفذت أو تأخرت أو أعيدت برمجتها.
وهنا ينبغي أن يتحول النقاش من سؤال من المسؤول؟ إلى سؤال أكثر دقة: ماذا تحقق؟ ومن استفاد؟ وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟ فحتى الاستثمارات الجديدة المرتبطة بالمكتب الشريف للفوسفاط، ومنها مشاريع الطاقة والماء، تفتح بدورها نقاشاً حول أثرها الترابي والاجتماعي.
فمشروع نقل المياه المحلاة من الجرف الأصفر إلى مواقع الإنتاج بخريبكة، مثلاً، يهدف إلى توفير مورد مائي مستدام للمنشآت الصناعية وتحرير موارد مائية لفائدة الفلاحة والأنشطة والسكان في محيط خريبكة.
وهذا النوع من المشاريع يطرح سؤالاً أوسع: كيف يمكن الانتقال من اقتصاد يقوم على استخراج الثروة إلى نموذج تنموي يجعل من الثروة رافعة حقيقية لتوسيع فرص الشغل وتنويع الاقتصاد المحلي؟
لأن المشكلة لا تختزل في وجود الفوسفاط أو غيابه، وإنما في كيفية تحويل الثروة إلى قيمة مضافة محلية، وفي قدرة السياسات العمومية على خلق اقتصاد قادر على الاستمرار خارج الوظائف المرتبطة مباشرة بالمناجم.
ولعل الرقم المتعلق ببطالة النساء في الإقليم، الذي تجاوز 41 في المائة وفق معطيات 2024، يفرض بدوره سؤالاً خاصاً حول موقع المرأة الخريبكية في الدورة الاقتصادية المحلية، ومدى قدرة البرامج والمشاريع على فتح مسارات حقيقية أمامها نحو سوق الشغل وريادة الأعمال والاستقلال الاقتصادي.
خريبكة، إذن، لا تحتاج فقط إلى مشاريع جديدة، بل تحتاج أيضاً إلى حصيلة واضحة، كم مشروعاً أُنجز فعلاً؟ كم فرصة شغل مستدامة خلقت؟ ما حجم الاستثمارات التي استفاد منها الإقليم؟ ما أثرها على الشباب؟ ماذا تحقق في الصحة والتعليم والنقل والبيئة؟ وما نصيب المقاولات المحلية والمهنيين والحرفيين من الدورة الاقتصادية المرتبطة بالثروة الفوسفاطية؟
هذه ليست أسئلة للمزايدة السياسية، ولا اتهاماً لجهة بعينها، بل هي أسئلة طبيعية في مدينة ارتبط اسمها لسنوات طويلة بواحدة من أهم الثروات المعدنية للمغرب.
فحين تبلغ البطالة في إقليم خريبكة قرابة 30 في المائة، وتصل إلى أكثر من 41 في المائة لدى النساء، فإن النقاش حول التنمية لا يمكن أن يبقى أسير لغة المشاريع والمخططات فقط.
السؤال الحقيقي ليس من سرق من خريبكة حقها في التنمية، لأن هذه العبارة تفترض مسؤولية محددة تحتاج إلى أدلة. السؤال الأكثر دقة هو: أين تعثرت مسارات التنمية؟ ومن يتحمل مسؤولية ما لم يُنجز؟ وهل آن الأوان لفتح الحساب التنموي للإقليم، بالأرقام والنتائج لا بالشعارات؟
فالثروة حين لا تتحول إلى فرص، والبرامج حين لا تتحول إلى نتائج، والمخططات حين لا تنعكس على حياة الناس، تصبح الحصيلة نفسها موضوعاً للمساءلة، وخريبكة، قبل أي شيء، تستحق أن تعرف ماذا أُنجز باسمها، وماذا بقي مؤجلاً، ولماذا.
تعليقات الزوار