حكومة المنصوري تراهن على 6 شركات جهوية للتوزيع.. هل تنخفض الأسعار أم تتضاعف الأعباء؟

هبة زووم – الرباط
في وقت تواصل فيه أسعار عدد من المنتجات الفلاحية استنزاف القدرة الشرائية للمغاربة، تتجه حكومة المنصوري نحو إعادة هيكلة سلاسل توزيع المنتجات الفلاحية، من خلال التوجه إلى إحداث ست شركات جهوية للتوزيع، في خطوة يُرتقب أن تستهدف تنظيم مسارات التسويق، وتقليص تكاليف الوساطة، والحد من المضاربة التي تساهم في اتساع الفجوة بين أسعار البيع من المنتج وأسعار اقتناء المستهلك.
غير أن هذا التوجه يطرح سؤالاً جوهرياً يتجاوز الإعلان عن إحداث شركات جديدة: هل ستنجح هذه الآلية في خفض الأسعار فعلياً، أم أن الأمر يتعلق بإعادة تنظيم حلقات التوزيع دون ضمان انتقال أثرها إلى جيوب المواطنين؟
فالمغاربة لا ينتظرون مزيداً من الهياكل الإدارية أو الشركات العمومية، بقدر ما ينتظرون نتائج ملموسة تنعكس على فواتير التسوق اليومية، وتضع حداً للفارق الكبير الذي قد يفصل بين السعر الذي يحصل به الفلاح على منتوجه والسعر الذي يؤديه المستهلك النهائي.
ست شركات جهوية.. رهان على ضبط مسارات التوزيع
تراهن الحكومة على إعادة تنظيم قنوات توزيع المنتجات الفلاحية باعتبارها إحدى المداخل الممكنة لمعالجة اختلالات السوق، وتقليص تعدد الوسطاء، وتحسين شروط انتقال المنتجات من الضيعات إلى أسواق الجملة ثم إلى المستهلك.
ويؤكد هذا التوجه أن أزمة الأسعار لا ترتبط بالإنتاج وحده، بل تتداخل فيها تكاليف النقل والتخزين والتبريد والتسويق، فضلاً عن طبيعة المنافسة وشفافية المعاملات ومدى احترام قواعد السوق.
لكن إحداث الشركات الجهوية لن يكون، في حد ذاته، ضمانة لخفض الأسعار. فنجاح التجربة يظل مرتبطاً بطبيعة النموذج المعتمد، وآليات الحكامة والتدبير، ومدى قدرته على خفض الكلفة الإجمالية للتوزيع، بدل إضافة مصاريف إدارية ومالية جديدة تتحملها المنظومة في نهاية المطاف.
كما أن أي إصلاح لا يحدد بوضوح أهدافه القابلة للقياس، ومؤشرات تقييم نتائجه، والجهة المسؤولة عن مراقبة الأسعار والتكاليف، قد يتحول إلى مجرد تغيير في شكل التدبير دون معالجة جوهر الاختلالات القائمة.
المرصد المغربي لحماية المستهلك يضع شرط النتيجة
في هذا السياق، يرى المرصد المغربي لحماية المستهلك أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بمدى قدرة الشركات الجهوية المرتقبة على تقليص تكاليف التسويق والتوزيع، وضمان انعكاس ذلك على أسعار البيع للمستهلك النهائي، وهو شرط أساسي يضع المشروع أمام امتحان النتائج، لا أمام الاكتفاء بالإعلان عن إحداث شركات جديدة أو الحديث عن إعادة تنظيم السوق.
فإذا انخفضت تكاليف النقل والتخزين والوساطة، دون أن ينعكس ذلك على السعر النهائي، فإن المستهلك لن يجني أي فائدة مباشرة من الإصلاح. وإذا تحولت الشركات إلى حلقات إضافية داخل سلسلة التسويق، مع ما يستتبع ذلك من نفقات للتسيير والأجور والتجهيزات، فقد تصبح الكلفة الإجمالية أعلى، ما لم تكن هناك آليات واضحة لضبط المصاريف ومراقبة الأداء.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في عدد الشركات التي ستُحدث، بل في قدرتها على تقليص الفارق بين سعر المنتج وسعر البيع، وتعزيز الشفافية، وتحسين ظروف المنافسة، وضمان استفادة الفلاح والمستهلك معاً.
تجربة الشركات متعددة الخدمات.. درس ينبغي استحضاره
يستحضر هذا النقاش تجربة الشركات الجهوية متعددة الخدمات، التي رافق إطلاقها نقاش واسع حول تحسين تدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل، والرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويرى منتقدون أن تقييم هذه التجربة ينبغي أن يستند إلى ما تحقق فعلياً على مستوى جودة الخدمات وكلفتها واستمراريتها، لا إلى الوعود التي صاحبت إطلاقها، ومن هذا المنطلق، يطرح إحداث شركات جديدة سؤالاً مشروعاً حول الضمانات التي ستمنع تكرار تعثرات التدبير أو انتقال الأعباء المالية إلى المواطنين.
ومع ذلك، فإن طبيعة قطاع توزيع المنتجات الفلاحية تختلف عن طبيعة خدمات الماء والكهرباء والتطهير، ولذلك لا يمكن الجزم مسبقاً بأن التجربتين ستسيران في الاتجاه نفسه، لكن المقارنة تظل مفيدة في التنبيه إلى أن تغيير النموذج المؤسساتي لا يكفي وحده لتحقيق الإصلاح، ما لم يصاحبه تقييم مستقل وشفافية في التدبير وربط واضح بين المسؤولية والنتائج.
هل تستطيع الشركات الجديدة كبح المضاربة؟
تظل المضاربة وتعدد الوسطاء من الملفات التي تستدعي معالجة دقيقة، لكن اختزال أزمة الأسعار فيهما وحدهما قد يؤدي إلى حلول جزئية لا تعالج جميع الأسباب.
فتقلبات الإنتاج الفلاحي، والظروف المناخية، وتكاليف النقل والطاقة، وضعف التخزين والتبريد في بعض المسارات، واختلالات المنافسة، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في الأسعار. ولذلك، فإن نجاح الشركات الجهوية يقتضي تحديد موقعها داخل سلسلة التوزيع، والصلاحيات التي ستتمتع بها، وطبيعة علاقتها بالمنتجين وتجار الجملة والأسواق، وكيفية ضمان المنافسة وعدم تحولها إلى فاعل مهيمن يحد من المبادرة أو يخلق اختلالات جديدة.
كما يتعين توضيح كيفية مراقبة تكاليفها، وضمان نشر بيانات دورية عن حجم المعاملات وهوامش التوزيع ومؤشرات تطور الأسعار، حتى لا يبقى المستهلك أمام وعود يصعب قياس أثرها.
المستهلك لا يريد شركات جديدة.. بل أسعاراً أقل
في نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح هذا الورش بعدد الشركات التي ستُحدث أو بحجم الاستثمارات المرصودة لها، بل بمدى قدرته على تحسين دخل الأسر بصورة غير مباشرة، عبر تخفيف كلفة اقتناء المواد الغذائية الأساسية، وضمان وصول المنتجات إلى الأسواق بأثمان معقولة.
فإذا لم يلمس المواطن فرقاً في أسعار الخضر والفواكه وباقي المنتجات المعنية، فسيظل السؤال قائماً حول الجدوى الاجتماعية والاقتصادية من هذا الإصلاح، حتى لو تحققت إعادة هيكلة مؤسساتية ناجحة على الورق.
فهل ستكون الشركات الجهوية الست مدخلاً فعلياً لتقليص تكاليف التوزيع وكسر حلقات المضاربة، أم ستتحول إلى بنية جديدة تضاف إلى منظومة التسويق دون أن يشعر المواطن بأي تحسن؟
الجواب لن تقدمه التصريحات الحكومية، بل ستقدمه النتائج على أرض الواقع: أسعار أقل، وسلاسل توزيع أكثر شفافية، وفلاح يحصل على مقابل منصف لمنتوجه، ومستهلك لا يتحمل فاتورة اختلالات السوق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد