هبة زووم – الرباط
لم تمر إحالة مشروع قانون المالية لسنة 2027 دون إثارة علامات استفهام داخل المؤسسة التشريعية، بعدما وجّه يحفظه بن مبارك، المستشار البرلماني عن حزب الحركة الشعبية، انتقادات إلى الحكومة بسبب ما اعتبره استعجالاً في إحالة المشروع، قبل نيلها ثقة مجلس النواب، محذراً من تجاوز المقتضيات الدستورية وعدم احترام المساطر المؤطرة للعمل التشريعي.
وفي أول جلسة للأسئلة الشفهية برسم الولاية الجديدة، المنعقدة اليوم الثلاثاء، وضع بن مبارك طريقة تدبير الحكومة لمسار مشروع قانون المالية تحت مجهر المساءلة، معتبراً أن ما رافق الإحالة من تأخر في تمكين الفرق والمجموعات البرلمانية من نسخة المشروع يثير إشكالات تتجاوز الجانب الإجرائي إلى صميم احترام الزمن التشريعي وحقوق المؤسسة البرلمانية في الاطلاع والدراسة.
وأوضح المستشار البرلماني أن الفرق والمجموعات البرلمانية لم تتوصل بنسخة مشروع قانون المالية، رغم إحالته على مجلس النواب، إلا إلى حدود مساء الجمعة 23 أكتوبر، أي بعد مرور ثلاثة أيام على إيداعه الرسمي لدى الغرفة الأولى، وهو ما أثار، بحسبه، استياء الفريق الحركي.
ويطرح هذا التأخر سؤالاً جوهرياً حول كيفية مطالبة البرلمانيين بممارسة دورهم الرقابي والتشريعي في ظروف تضمن الاطلاع الكافي على مشروع مالي يُحدد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، بينما يظل توقيت التوصل بوثيقته موضوع اعتراض.
فمشروع قانون المالية ليس مجرد وثيقة إدارية عابرة، بل نص محوري تتوقف عليه اختيارات الإنفاق العمومي، والسياسات الاجتماعية، والموارد الجبائية، وأولويات الاستثمار. ومن ثم، فإن توفير الوقت والوثائق الكافية لدراسته ليس امتيازاً تمنحه الحكومة للبرلمان، بل شرط أساسي لممارسة الرقابة التشريعية بصورة مسؤولة.
وذهب بن مبارك إلى مساءلة الحكومة بشأن المبررات التي حالت دون تمكين الفرق والمجموعات البرلمانية من نسخة المشروع في الوقت المناسب، مطالباً بتوضيح الأساس القانوني والدستوري الذي استندت إليه في هذا الإجراء، في ظل ما وصفه بالغموض المحيط بمسار الإحالة على المؤسسة التشريعية.
ويضع هذا الاعتراض الحكومة أمام ضرورة تقديم توضيحات دقيقة بشأن تسلسل الإجراءات والآجال المعتمدة، بدل ترك المجال مفتوحاً للتأويلات بشأن مدى احترام المساطر الدستورية والتنظيمية.
غير أن الحسم في وجود مخالفة دستورية يظل مرتبطاً بفحص الإجراءات والآجال القانونية ذات الصلة، والتمييز بين تاريخ إيداع المشروع لدى مجلس النواب، وتاريخ تمكين الفرق البرلمانية من نسخه، وبين الإحالة القانونية على المؤسسة التشريعية ونيل الحكومة ثقة المجلس.
ومن أبرز النقاط التي أثارها المستشار الحركي مسألة الزمن التشريعي، متسائلاً عن الكيفية التي ستعوض بها الحكومة الأيام التي ضاعت، بحسب تقديره، بسبب التأخر في تسليم المشروع إلى البرلمانيين.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من كون دراسة مشروع قانون المالية تقتضي وقتاً كافياً لتحليل مواده، وفحص فرضياته المالية، ومناقشة انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن إعداد الملاحظات والمقترحات والتعديلات.
وأي اختلال في تدبير هذا المسار قد يضع المؤسسة التشريعية أمام ضغط زمني يؤثر في عمق النقاش وجودة المراقبة، ويعيد طرح سؤال التوازن بين استعجال الحكومة في تمرير اختياراتها المالية وحق البرلمان في مناقشتها باستقلالية وفعالية.
وتكشف هذه القضية عن أهمية ضمان وضوح المساطر واحترام الآجال وتوفير الوثائق البرلمانية في الوقت المناسب، بما يمنع تحول الإجراءات المرتبطة بمشروع قانون المالية إلى مصدر للتوتر بين الحكومة والبرلمان.
وبين اعتراض بن مبارك وموقف الحكومة الذي يستدعي التوضيح، يبقى الرهان الأساسي هو ضمان احترام الدستور والقوانين المنظمة للعمل التشريعي، وصيانة حق البرلمانيين في دراسة مشروع قانون المالية دراسة مستفيضة، بعيداً عن أي ضغط زمني قد يفرغ النقاش من مضمونه.
فالمطلوب ليس مجرد إحالة مشروع مالي وفق المساطر المعتمدة، بل توفير الشروط التي تجعل مناقشته فرصة حقيقية للمراقبة والمساءلة، لا مجرد سباق مع الزمن للمصادقة على اختيارات حكومية جاهزة.
تعليقات الزوار