اليحياوي يشكك في دلالات تعديل مشروع القرار الأميركي بشأن الصحراء المغربية

هبة زووم – الرباط
أثار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي أسئلة بشأن التعديلات التي طالت مشروع القرار الأميركي حول الصحراء المغربية، مركزاً على التحول في وصف مقترح الحكم الذاتي من «الحل الوحيد القابل للتطبيق» إلى «الحل الأكثر قابلية للتطبيق»، وما قد يحمله هذا التغيير من دلالات سياسية ودبلوماسية.
وفي تدوينة جديدة، عبّر اليحياوي عن قلقه من أن تؤدي التعديلات اللغوية في النصوص الأممية إلى توسيع مساحة التأويل، معتبراً أن الترحيب بصياغة أولية باعتبارها مكسباً سياسياً، قبل أن تتغير في النسخة المنقحة، يفرض الحذر في قراءة المواقف الدولية وعدم التعامل مع كل تعبير دبلوماسي باعتباره حسمًا نهائياً.
ولا يتوقف سؤال الباحث عند الفرق اللغوي بين عبارتين، بل يمتد إلى طبيعة الموقف الأميركي من مسار تسوية النزاع، وحدود ما يمكن استنتاجه من مشروع قرار لا يزال خاضعاً للمشاورات بين أعضاء مجلس الأمن.
يركز اليحياوي على الفرق بين وصف الحكم الذاتي بأنه «الحل الوحيد القابل للتطبيق» ووصفه بأنه «الحل الأكثر قابلية للتطبيق»، متسائلاً عما إذا كانت الصياغة الثانية تترك الباب مفتوحاً أمام خيارات أخرى، أو تمنح الأطراف مساحة أوسع لتقديم تأويلاتها الخاصة للنص.
ويكتسب هذا التساؤل أهمية في الملفات الدولية التي تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية، إذ يمكن لتغيير محدود في الصياغة أن يعكس محاولة للتوفيق بين مواقف متباينة داخل مجلس الأمن، أو أن يكون جزءاً من تسوية تفاوضية تهدف إلى ضمان تمرير مشروع القرار.
لكن دلالة هذا التعديل لا يمكن حسمها اعتماداً على العبارة وحدها؛ بل ينبغي قراءتها ضمن السياق الكامل للمشروع، بما يشمل الإشارات إلى مقترح الحكم الذاتي، ومبدأ تقرير المصير، وطبيعة المفاوضات المنتظرة، والالتزامات التي يدعو النص الأطراف إلى احترامها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه التدوينة لا يتعلق باللغة الدبلوماسية في حد ذاتها، وإنما بمدى وضوح الاتجاه السياسي الذي تسعى الصياغة النهائية إلى تثبيته.
ويعبّر اليحياوي عن تخوفه من أن تتحول المواقف الأميركية إلى رسائل متغيرة يصعب تحديد حدودها، بحيث يُستقبل النص الأول باعتباره مكسباً، ثم تثير التعديلات اللاحقة أسئلة بشأن مدى ثبات الموقف الذي استند إليه ذلك التفاؤل.
وتكشف هذه القراءة عن إشكالية أوسع في إدارة الملفات الاستراتيجية: فالدعم الدبلوماسي، مهما كانت أهميته، لا يعفي من ضرورة متابعة تفاصيل النصوص ومراحل التفاوض، ولا يجعل كل صيغة أولية ضمانة لنتيجة نهائية.
وفي المقابل، لا يعني تعديل مشروع القرار بالضرورة أن واشنطن تخلت عن دعمها لمقترح الحكم الذاتي؛ إذ ينبغي التمييز بين التراجع عن عبارة محددة وبين تغيير الموقف السياسي العام.
كما أن الصياغة المنقحة، بحسب التقارير المنشورة بشأنها، أبقت على المقترح المغربي أساساً للمفاوضات، رغم تعديل وصفه من «الحل الوحيد» إلى «الحل الأكثر قابلية للتطبيق».
وهذا التفصيل مهم في قراءة التوازن بين ما يثبته النص وما يتركه للمفاوضات، بعيداً عن استنتاجات نهائية لا تسمح بها الصياغة وحدها.
ولم يوجّه اليحياوي انتقاده إلى واشنطن وحدها، بل عبّر أيضاً عن استيائه من طريقة إدارة الأمم المتحدة لهذا الملف، معتبراً أن استمرار المقترحات العامة والصيغ التي تحتمل تأويلات متعددة يطيل أمد الانتظار ويستنزف قدرة المتابعين على تحديد الاتجاه الذي تسير نحوه التسوية.
ويعكس هذا الموقف إحباطاً من استمرار المسار الدبلوماسي من دون حسم نهائي للنزاع، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً بشأن طبيعة التوافق الذي يستطيع مجلس الأمن إنتاجه في قضية تتباين حولها مواقف الأطراف المعنية.
فالصياغات الأممية غالباً ما تكون نتاج مشاورات بين دول تختلف في حساباتها ومقارباتها، وهو ما قد يفسر اعتماد عبارات تسعى إلى الجمع بين دعم مسار معين والحفاظ على مبادئ أو مواقف أخرى. غير أن هذا التوازن قد يترك، بدوره، مساحة للخلاف حول تفسير النص وحدود ما يترتب عليه عملياً.
وتظل أهمية أي مشروع قرار مرتبطة بمضمونه الكامل، وبمدى وضوح ما يطلبه من الأطراف، وبما إذا كانت عباراته تترجم إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ والمتابعة.
تضع تدوينة اليحياوي المتابعين أمام ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات: الصياغة التي يتضمنها مشروع القرار، والموقف السياسي الذي يمكن استنتاجه من مجمل بنوده، والنتيجة التي قد تسفر عنها المفاوضات والقرارات الأممية اللاحقة.
فالتغيير من «الحل الوحيد» إلى «الحل الأكثر قابلية للتطبيق» يستحق القراءة والتحليل، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود تحول كامل في الموقف الأميركي، كما لا يسمح بالجزم بأن خيارات بديلة ستُطرح بالضرورة على طاولة التفاوض.
وفي المقابل، فإن التعامل مع الصياغات الأولية باعتبارها انتصاراً نهائياً قد يؤدي إلى التقليل من أهمية التفاصيل التي تظهر خلال المشاورات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف استراتيجي يرتبط بالسيادة والمفاوضات ومواقف القوى الدولية.
وبين تفاؤل من يركز على استمرار إدراج مقترح الحكم الذاتي في صلب المسار التفاوضي، وحذر من يتوقف عند التعديلات التي طالت لغة المشروع، يبقى الاختبار الحقيقي في النص النهائي الذي سيعتمده مجلس الأمن، وفي طبيعة المسار السياسي الذي سيترتب عليه.
وتطرح تدوينة اليحياوي، في المحصلة، سؤالاً يتجاوز الفرق بين عبارتين: كيف يمكن قراءة المواقف الدولية بواقعية، من دون تضخيم المكاسب قبل اكتمالها، ومن دون اعتبار كل تعديل لغوي دليلاً قاطعاً على التراجع؟ الإجابة تقتضي متابعة النصوص الكاملة، ومقارنة نسخها المتعاقبة، وفصل ما هو ثابت فيها عما يظل رهين التفاوض والتأويل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد