هبة زووم – محمد أمين
في وجدة، لا يتعلق النقاش فقط بعودة وجوه سياسية اعتادت الظهور في المشهد العام، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يرتبط بطبيعة العلاقة بين السلطة المحلية والفاعلين السياسيين والاقتصاديين، وحدود الفصل بين تدبير الشأن العام وخدمة المصالح الخاصة. وبينما تتجدد الوعود مع كل استحقاق، تظل أسئلة الحصيلة والمحاسبة وتكافؤ الفرص حاضرة بقوة في نقاش تدبير المدينة.
فالعودة إلى الواجهة لا ينبغي أن تكون امتيازًا مكتسبًا، كما أن سنوات الحضور داخل المؤسسات المنتخبة لا تمنح أصحابها حصانة من مساءلة الرأي العام. المعيار الحقيقي يظل مرتبطًا بما تحقق على أرض الواقع، وبمدى قدرة المنتخبين على الدفاع عن مصالح السكان، وممارسة أدوارهم الرقابية والتشريعية بعيدًا عن الحسابات الضيقة والاستثمار الموسمي في المناسبات والصور.
وتزداد حدة هذه الأسئلة حين يتحول النقاش من حصيلة المنتخبين إلى طبيعة البيئة الإدارية التي تتحرك داخلها المصالح السياسية والاقتصادية، فالمرفق العمومي، في جوهره، ليس مجالًا لتوزيع الامتيازات أو مكافأة المقربين، بل مؤسسة يفترض أن تضمن المساواة أمام القانون، وأن تجعل الولوج إلى الخدمات والرخص خاضعًا لمعايير واضحة وموحدة.
ولاية وجدة.. أسئلة التعمير وتكافؤ الفرص
في هذا السياق، تبرز ولاية جهة الشرق، التي يشرف عليها الوالي العطفاوي، باعتبارها مؤسسة مطالبة بتوضيح كيفية تدبير الملفات التي تدخل ضمن اختصاصاتها، ولا سيما تلك المرتبطة بالتعمير والرخص والمساطر الإدارية، فهذه الملفات لا تهم المستثمرين وحدهم، بل تمس مستقبل المدينة، وتنظيم مجالها الحضري، وحقوق السكان في بيئة عمرانية متوازنة.
ومن هنا، يفرض النقاش نفسه: هل تسير مساطر دراسة الملفات ومنح الرخص وفق معايير معلنة ومتساوية؟ وهل يتم التعامل مع طلبات المواطنين والمستثمرين بالمعايير نفسها، أم أن هناك تفاوتًا في الآجال والتعقيدات الإدارية يستدعي التفسير؟ وما آليات التتبع التي تضمن ألا يتحول القرب من مراكز القرار إلى عامل مؤثر في الاستفادة من الخدمات العمومية؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني الجزم بوجود خروقات أو اتهام أشخاص بعينهم، لكنه يضع الإدارة أمام مسؤولية التواصل وتقديم المعطيات التي تبدد الشكوك، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقطاع حساس مثل التعمير، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع التخطيط الحضري وحقوق المواطنين.
السياسة بين خدمة المواطن ومنطق الوساطة
ولا تنفصل هذه الإشكالات عن دور المنتخبين الذين راكم بعضهم سنوات من الحضور داخل المؤسسات التمثيلية، من دون أن تكون الحصيلة دائمًا في مستوى انتظارات السكان، فالمواطن الذي يلجأ إلى المنتخب بحثًا عن خدمة أو تدخل إداري لا ينبغي أن يجد نفسه مضطرًا إلى الاعتماد على الوساطة الشخصية بدل الاحتكام إلى مساطر واضحة وحقوق مضمونة.
وحين يصبح الوصول إلى الخدمة مرتبطًا بالعلاقات، أو حين يُختزل العمل السياسي في الوعود الفردية بدل البرامج الجماعية، تتراجع الثقة في المؤسسات ويتحول الحق إلى مطلب يحتاج إلى وساطة، وهي معادلة تضر بالمواطن أولًا، وتضعف مبدأ تكافؤ الفرص الذي يفترض أن يحكم العلاقة بين الإدارة والمرتفقين.
المطلوب، لذلك، ليس الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو إطلاق أوصاف مثيرة، بل فتح نقاش جدي حول حصيلة المنتخبين، وشفافية المساطر الإدارية، ومدى احترام قواعد المساواة في معالجة الملفات، مع إتاحة المعلومات للرأي العام حول القرارات التي تثير التساؤلات.
من يراقب؟ ومن يقدم الأجوبة؟
إن الحديث عن ولاية وجدة لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة مسبقة، كما لا يجوز أن يكون غطاءً لتفادي المساءلة، فالسلطة الإدارية مطالبة بتوضيح قواعد تدبير الملفات الحساسة، والمنتخبون مطالبون بكشف حصيلتهم، والجهات المختصة مطالبة بالتدخل كلما ظهرت مؤشرات موثقة تستدعي الافتحاص أو التحقق.
ومن حق الرأي العام أن يعرف كيف تُدرس ملفات التعمير، وما المعايير المعتمدة في منح الرخص، وكيف تُعالج شكايات المرتفقين، وما الضمانات المتاحة لمنع تضارب المصالح أو استغلال النفوذ، إن وُجدت مؤشرات تستوجب التحقيق في ذلك.
أما إذا كانت هناك وثائق أو حالات محددة تثير شبهة المحاباة أو تفضيل ملفات على أخرى، فإن الطريق السليم يمر عبر نشر المعطيات القابلة للتحقق، والاستماع إلى الأطراف المعنية، وطلب توضيحات الإدارة، ثم ترتيب المسؤوليات بناءً على الأدلة لا الانطباعات.
في النهاية، لا تحتاج وجدة إلى سجال حول الأشخاص بقدر حاجتها إلى إدارة شفافة، ومؤسسات منتخبة تُحاسَب على حصيلتها، ومساطر إدارية لا تفرق بين مواطن وآخر. فالمرفق العمومي ليس «مغارة» للامتيازات، بل أمانة تُقاس مشروعيتها بمدى احترام القانون وخدمة الصالح العام.
تعليقات الزوار