الكنبوري ينتقد التوفيق بسبب وصف خطبة “تسديد التبليغ” بالثورة

هبة زووم – الرباط
أثار وصف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، لخطبة “تسديد التبليغ” بأنها “ثورة فكرية ودينية وسياسية”، انتقادات من طرف الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري، الذي اعتبر أن هذا التوصيف يثير أسئلة بشأن طبيعة الدور الذي يراد للمسجد وخطبة الجمعة أن يضطلعا به، وحدود العلاقة بين الخطاب الديني والتغيير السياسي والاجتماعي.
وفي تدوينة جديدة، توقف الكنبوري عند أجوبة الوزير خلال جلسة برلمانية خُصصت لمناقشة أسئلة النواب، معتبراً أن وصف الخطبة بالثورة يتجاوز، في دلالته، وظيفة الوعظ والإرشاد الديني، ويفتح الباب أمام تأويلات تجعل من المساجد فضاءً لقيادة تحول فكري وسياسي، كما عبّر عن استغرابه من الرهان على خطبة الجمعة لإحداث تغيير بهذا الحجم، خصوصاً في ظل ما يصفه بسطحية مضامين بعض الخطب.
ولم يقتصر انتقاد الباحث على توصيف “الثورة”، بل ركز أيضاً على عبارة منسوبة إلى الوزير مفادها أن المغاربة، إذا عملوا بما يقال لهم في خطب الجمعة، سيصبحون “خير أمة أخرجت للناس”.
واعتبر الكنبوري أن هذا الكلام يحتاج إلى تدقيق في دلالته الدينية، متسائلاً عن مدى ملاءمة إسقاط وصف قرآني ذي امتداد إسلامي عام على المغاربة باعتبارهم جماعة وطنية محددة.
وفي هذا السياق، استحضر الباحث الآية القرآنية المتعلقة بخيرية الأمة، معتبراً أن المقصود بها الأمة الإسلامية، وأن معيار هذه الخيرية لا يرتبط بمجرد تلقي المواعظ أو ترديد الخطب، وإنما يتجسد في العمل بالمعروف، ومقاومة الظلم، وإقامة العدل، وصون الحقوق، ومحاسبة المفسدين. وبذلك نقل النقاش من مضمون الخطبة وأسلوبها إلى السؤال الأوسع المتعلق بالمسافة بين الخطاب الديني والممارسة اليومية للقيم التي يدعو إليها.
كما أعاد الكنبوري طرح موقفه النقدي من شعار “تمغربيت”، محذراً مما يعتبره احتمال انزلاقه نحو الانعزالية أو المبالغة في الاعتزاز الوطني، إذا جرى توظيفه بطريقة تفصل الهوية المغربية عن انتمائها الحضاري والديني الأوسع، وربط بين هذا التخوف وبين ما فهمه من تصريحات وزير الأوقاف بشأن إمكانية أن يصبح المغاربة «خير أمة» من خلال الالتزام بما تتضمنه خطب الجمعة.
وتكشف التدوينة عن خلاف يتجاوز تقييم برنامج “تسديد التبليغ” أو طبيعة الخطب الموحدة، ليطرح إشكالية أعمق حول حدود الخطاب الديني الرسمي، ومدى قدرته على إحداث أثر اجتماعي ملموس.
فالمسجد، باعتباره مؤسسة دينية وتربوية، يضطلع بدور في التوجيه والإرشاد، لكن تحويل هذا الدور إلى عنوان لـ”ثورة سياسية” يقتضي توضيح المقصود بالتغيير، والوسائل التي يمكن أن يتحقق بها، والحدود الفاصلة بين التوعية الدينية والتوجيه السياسي.
وفي المقابل، فإن تقييم مشروع «تسديد التبليغ» لا ينبغي أن يتوقف عند الأوصاف التي تُطلق عليه، بل يقتضي النظر في مضامين الخطب، ومدى ارتباطها بقضايا المواطنين، وقدرتها على ترسيخ قيم التضامن والنزاهة والإنصاف ومناهضة الفساد، بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات العامة.
ويضع الكنبوري، من خلال انتقاداته، معياراً أخلاقياً لخيرية الأمة، قوامه نصرة المظلوم وإحقاق الحقوق وإقامة العدل، معتبراً أن هذه القيم هي التي تمنح الخطاب الديني معناه العملي، وهي بذلك دعوة إلى مساءلة المسافة بين ما يقال من فوق المنابر وما يتحقق في الواقع، وبين الوعظ بوصفه خطاباً وبين العدل بوصفه ممارسة ومؤسسات ومسؤولية.
ويبقى النقاش مفتوحاً حول ما إذا كانت خطبة الجمعة قادرة على تجاوز وظيفة التذكير والتوجيه إلى إحداث تحول اجتماعي واسع، وكيف يمكن ضمان أن يظل الخطاب الديني فضاءً لترسيخ القيم الجامعة، دون أن يتحول إلى أداة لتضخيم الشعارات أو اختزال الإصلاح في الوعظ وحده.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد