أخطاء الصحافة المُضْحِكة المُبْكيَّة
رشيد صفـر
الزمان : زمن قمع الصحافة، ومحاكمة نوايا الصحافيين.
المكان : قاعة التحقيق
التهمة : السَّبُّ والقذف والتشهير و .
.
و .
.
و .
.
و .
.
و .
.
، مع إعمال قانون جرائم النشر، والقفز على قانون الصحافة.
الضابط : اسمك ؟؟.
الصحفي : فلان بن فلان، وفوق مكتبك بطاقتي .
.
الضابط : مِهنتك ؟؟؟.
الصحفي : غريب !! .
.
.
مهنتي !!؟؟ مهنتي أيها الضابط، هي التي أوصلتني إلى هذا المكتب من أجل التحقيق، ووضعتني بين يديك.
الضابط : بدون فلسفة .
.
انطِقْ .
.
المهنة ؟؟؟
الصحفي : صَحَفي أو صَحافي أو صُحُفي.
.
الضابط : لماذا ارتكبت ذلك الخطأ وارتكبت هذه الجريمة، وألحقت الضرر بالمعنيين بمقالك ؟؟
الصحفي : أنا لا أتحمل مسؤولية هذا الخطأ.
.
.
الضابط : هيه !! هيه !! ، لا تلعب معي لعبة ” ليس أنا من كدا”، فأنا أعرف أنك صحفي مسؤول على مقالاتك، والمقال .
.
يا “أستاذ”.
.
موَّقع باسمك، والمدير يقول أنك أنت محرر المقال، وهو أيضا متابع معك في هذا الملف، فلا تسخر مني واسثتمرْ وقتي و وقتك في ما سينفع ملف الدعوة، ويُسرِّعُ إجراءات المثول أمام المحكمة لتقول كلمتها، ومن يعلم ؟؟ قد يخففون عنك الحُكْم !!.
.
.
وقد يأمرونك بأداء مبلغ درهم واحد رمزي وتعود لأحضان بيتك وزوجتك وأبنائك وجريدتك .
.
.
الصحفي : ههه !! أنا لا أبالي بالحبس والغرامة بقدر ما تهُّمني مصداقيتي و برائتي وشرف مهنتي وزملائي، ولست أنت الذي ستـُحدِّدُ العقوبة، فلا تسخر مني أنت أيضا.
.
الضابط : هااااه !! أعِد ْما قـُلت – لا تسخر مني أنت أيضا -، إذن هي سخرية متبادلة، بدأتها أنت .
.
أنت، أجب عن الأسئلة دون فلسفة وطول تفكير.
ماهي أقوالك في ما نـُسب إليك؟؟
الصحفي : أيها الضابط، الخطأ غير مقصود، وهو يدخل ضمن الأخطاء المطبعية المتعارف عليها دوليا، وسوف يُطالبُ المحامي بخبرة لتأكيد ذلك.
الضابط : يا رجل !! كن شجاعا .
.
أبلغت بك الأمور واشتد بك الخوف .
.
لدرجة التفكير في التهرب من المسؤولية لتتهم صاحب مطبعة، يشتغل في مقاولته العديد من المواطنين الأبرياء، الذين يدعمون جريدتكم باقتنائها يوميا؟؟ تريد تأليب السلطة لغلق و”تشميع” باب مطبعة توَّفِرُ قوت عُمَّال بسطاء، و مواطنين شرفاء؟؟.
.
صحافة آخر زمن .
.
.
الصحفي : أنت لا تهمُّك المطبعة بمديرها وعُمَّالها.
.
لديك أوامر تنفذها وعمل تقوم به دون مناقشة، وأن أكيد أن هذا الملف مُفبرك من طرف .
.
الضابط – مُقاطعا – : إيه !! إيه.
.
!! انتبه لكلامك، سوف يجُرُّ عليك أشياء أنت في غنى عنها، على الأقل في هذه الظرفية.
.
كل شيء يُسَجَّلُ لك أو عليك في هذا المحضر.
.
فاحذرْ.
.
انتهى المشهد ويُتبع في السطور الأخيرة.
.
.
عديدة هي الأخطاء المطبعية التي تسببت في متابعة الصحافيين في العالم، ويقول محلل سياسي وصحفي مرموق في المغرب، أن فاصلة في غير محلها ضمن جملة في خبر، ممكن أن تزُجَّ بالمحرر والجريدة في دهاليز المحاكم، ولن نورد جملا ضمن ديباجة مواد صحفية لتأكيد ذلك في المثال الأول الخاص بالفاصلة، بل سنورد أمر قائد لجنوده بخصوص مصير مُعتقلين، إذ يتغيَّر المضمون ويتغيَّر معه مصير المُعتقلين، بتغيُّر موضع الفاصلة وأتركُكُم مع المثال.
.
القائد : التحرير، .
.
لا القتل !! Lecommandant : libérez, non tuez
القائد : التحرير لا، .
.
القتل !! Lecommandant : libérez non, tuez
وهنا حسب الفاصلة والوقف يتغير المعنى كليّا، ففي الجملة الأولى الرسالة واضحة مفادها تحرير المعتقلين، أما في الجملة الثانية فالرسالة تغيرت للعكس وأصبحت دعوة للقتل، بسبب الفاصلة.
.
ومن الأخطاء الضاحكة للصحافة العربية، ما يرويه الشاعر والصحفي المصري، محمد أبو زيد، ضمن محور الصحافة والإعلام في الجريدة الالكترونية – الحوار المتمدن – العدد 1442 سنة 2006، إذ في مقال عنوانه – الأخطاء المطبعية في الصحف .
.
يوم لك ويوم عليك -، كتب أن الراحل أنطوان الجميل رئيس تحرير جريدة الأهرام في بدايات القرن الماضي وصل إليه نعي أحد الأشخاص لينشر في صفحة الوفيات، لكن يبدو أن النعي وصله متأخرا، فكتب أنطوان لعمال الجمع أسفل النعي «ينشر إن كان له مكان»، أي ينشر إذا كان هناك مكان في صفحة الوفيات، لكن النعي ظهر في صفحة الوفيات في اليوم التالي هكذا «فلان الفلاني.
.
.
أسكنه الله فسيح جناته إن كان له مكان».
ويضيف محمد أبوزيد أن الأخطاء المطبعية الشهيرة التي تعج بها الصحف العربية عموما، ترجع في الغالب إلى أحد ثلاثة أسباب أولها خطأ المحرر، أو خطأ عمال الجمع، أو خطأ المصحح الذي يقوم بمراجعة المادة الصحافية لغويا وإملائيا قبل الدفع بها إلى المطبعة، وتبرز من هذه الأخطاء المطبعية العديد من المواقف الكوميدية التي تبدو أحيانا حقيقية، وأحيانا تتسبب هذه الأخطاء في أزمات بين الدول، وقد تتسبب في إقالة رئيس تحرير الجريدة.
وفي هذه الفقرة سنورد جملا صحفية أصابها الخطأ المطبعي في مقتل، وجعلها مادة ضاحكة مع مرور الأيام، بعد أن كانت سببا في المتابعة القضائية ومحاصرة الجرائد واعتقال رؤساء التحرير والمدراء والمحررين.
نشرت جريدة الأهرام خبرا كان يبغي المدح لكن الخطأ حوله إلى الذم، وكان نص الخبر «الأهرام تثني على عمة الشيخ الخضري الكبيرة»، والصحيح «همة الشيخ» وهو ما أثار ثائرته، الطريف في الأمر أن الشيخ الخضري كانت لديه «عمة» كبيرة بالفعل، كما نشرت إحدى الجرائد المصرية خبرا في نهاية السبعينات عن وزيرة الشؤون الاجتماعية كان نصه «حكمت أبوزيد تتبول في كفر الشيخ» والصحيح «تتجول»، لكن الخطأ المطبعي حول الجيم إلى باء، وخبر آخر جاء عنوانه في الجريدة كالآتي «عورة وزير كدا» والصحيح هو «عودة».
نشرت جريدة عربية حديثا مع الراحل أنور السادات على صفحتين جاء في عنوانه خطأ مطبعي، حيث ظهر العنوان كالتالي «الرئيس المدمن يتضاءل بالبيض المحلي» والصحيح «الرئيس المؤمن يتفاءل بالبيض المحلي».
وكان السادات يُحب أن يلقب بالرئيس المؤمن، خطأ آخر حدث مع السادات حيث تداخل خبران أحدهما من صفحة الأدب والآخر من صفحة السياسة، فظهر الخبر كالتالي «أصدر الرئيس العاشق الولهان قرارا بـ .
.
.
».
ولم يسلم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر من الأخطاء لكن أشهرها هو الذي نشرته جريدة الأخبار في ابريل 1960 حين كانت مصر تتحدث عن أحد السفاحين واسمه محمود أمين سليمان، وكان يغتال الأثرياء، وأصبحت الصحف تنشر أخبارا عنه بانتظام، لدرجة أن الرئيس عبد الناصر نفسه كان مهتما بتفاصيل قضيته والقبض عليه، وحدث أن سافر عبد الناصر إلى باكستان في إحدى زياراته، ويروى أنه قال لمسؤول أمني مصري وهو على سلم الطائرة «أرجو أن أعود وقد قبضتم على هذا السفاح»، وبالفعل قتل السفاح عقب سفر عبد الناصر، لكن جريدة الأخبار نشرت عنوان الخبرين في الصفحة الأولى أسفل بعضهما بنفس الحجم، ما أعطى انطباعا أنهما خبر واحد :
مصرع السفاح
عبد الناصر في باكستان
وهما عنوانان لكن تم نشرهما حسب التصفيف والإخراج الفني ليظهر بعد الطبع أنهما عنوان واحد.
وقد يؤدي سوء الفهم أحيانا إلى مواقف أكثر طرافة، حيث كتب أحد المحررين يصف حادثة مرورية تسببت في سقوط جندي من فوق دراجته البخارية «انقلاب عسكري في مدينة» وهو ما فهم على أنه انقلاب على السلطة قام به العسكريون، كما نشرت إحدى الجرائد أعلانا للترويج لها جاء فيه أنها «أوسخ الصحف انتشارا» والصحيح أنها «أوسع» الصحف، لكن الخطأ المطبعي آثر أن يبدل العين بالخاء.
عودة إلى مجريات التحقيق والمتابعة القضائية بخصوص محاكمة الصحفي فلان بن فلان.
المكان : قاعة المحكمة.
الزمان : الواحدة صباحا – جلسة مُغلقة -.
القاضي : حكمت المحكمة ببراءة المطبعة، لأسباب اجتماعية، وبإدانة الصحفي لأسباب .
.
.
نُصِبَت الجلسة .
.
عفوا – خطأ من طبعي مقصود –
رُفِعَت الجلسة – .
.
rachidsafar10@gmail.
com