الاستحقاقات البرلمانية المقبلة، التحالفات المفترضة وظاهرة العزوف الانتخابي
الحسين بوخرطة
من المؤكد أن كل منشغل بمستقبل الديمقراطية بالمغرب، وما لذلك من ترابط وثيق بمستقبل أجيال الغد، لا يمكن له أن لا يستحضر في تفكيره الدائم مسألة المشاركة الانتخابية ومستوى العزوف السياسي.
بالطبع هذا الإشكال، الحاضر يوميا في تفكيرنا، هو الذي جعلنا نركز في مقالات سابقة على مسألة التعاقدات الجديدة الممكنة وطبيعة التحالفات المفترضة التي ستنبثق عن الاستحقاقات البرلمانية المقبلة.
من المعروف اليوم أن نسبة المشاركة في التصويت الانتخابي لا زالت لم ترق إلى المستويات المطلوبة مقارنة مع التطور المؤسساتي والدستوري الذي عرفه المغرب.
وهذا يعني أن هناك أكثر من 50 بالمائة من الناخبين لا تعطي الأهمية المطلوبة للمسلسل الانتخابي كآلية لتطوير طبيعة الاستحقاقات، وبالتالي تحقيق القفزة المطلوبة في مسار التطور الديمقراطي والمؤسساتي للبلاد.
وعليه، لا يمكن للفاعل السياسي الوطني، كيف ما كان انتماءه، أن لا ينشغل بالتفكير في كيفية الوصول إلى إقناع وتحفيز العازفين عن التصويت على المشاركة في الاستحقاقات المقبلة.
وفي سياق هذا الانشغال سبق لنا أن فتحنا نقاشات مع فعاليات سياسية في هذا الموضوع، وخاصة في الشق المتعلق بالانتخاب ورهان إنتاج النخب بخاصيات متناغمة والتطور الديمقراطي والدستوري والمؤسساتي للبلاد في زمن العهد الجديد.
والفكرة التي أثارتنا في هذا النقاش هي تلك التي تربط الوصول إلى تحقيق الغرض المنشود، أي الوصول إلى الجودة في إنتاج النخب، باستعمال “كل الوسائل المتاحة” التي ستمكن من وصول هذا النوع من النخب إلى مصادر القرار المؤسساتي الترابي.
إنه السبيل الوحيد، بالنسبة للمدافعين عن هذه الفكرة، للوصول إلى المواقع التي ستخول لهم قيادة تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الترابية، وبالتالي التأثير على مصادر الشرعية السياسية من خلال إحداث القطيعة مع النزعات الثلاث المرتبطة بالقبيلة والغنيمة والعقيدة، ليحل محلها التكوين والكفاءة والخبرة والمسؤولية الترابية والوطنية.
وهناك كذلك من يعتبر أن التجربتين الانتخابيتين السابقتين ما بعد الدستور الجديد (البرلمانية والترابية) قد بينت أن حزب العدالة والتنمية، بفعل استغلاله لكل المنابر والوسائل الممكنة، قد وصل إلى أعلى مستويات نتائجه الانتخابية، وأنه من الصعب الرفع منها بالرغم من تركيز الحكومة في برامجها على الفئات المجتمعية الفقيرة (الأرامل، الطلبة،.
.
.
.
).
وعليه، عندما تتم إثارة التحالفات المستقبلية لا يمكن أن لا يتم استحضار طبيعة استعداد الأحزاب السياسية للتأثير إيجابا عن نسبة المشاركة.
فسؤال الاستعداد هذا له أهمية بالغة جدا، سيكون لها لا محالة تأثيرا كبيرا على المشهد السياسي، وعلى طبيعة التحالفات السياسية، وعلى طبيعة الأداء الحكومي في المستقبل القريب.
.
.
ففي حالة ما إذا بقيت المشاركة في مستوياتها السابقة، أي أن الاستعداد الحزبي لم يكن في مستوى الرهانات المطلوبة، سيكون خيار تشكيل حكومة ائتلاف وطني، تحت شرط ضمان قوة أدائها بالشكل الذي يحفز على المشاركة السياسية للناخبين في المستقبل، الأكثر ترجيحا.
أما في حالة حصول العكس، أي في حالة وجود تنافس حزبي في الأداء الترابي، باستراتيجيات محلية للتقرب سياسيا من الفئات المجتمعية العازفة، خصوصا الشابة منها، قد تتحقق شروط مرور المغرب إلى مرحلة سياسية جديدة، قد ترسخ في أذهان الفئات المجتمعية الوعي بمدى أهمية المشاركة السياسية.
وفي حالة تحقيق هذا الهدف وتوفير شروط ديمومته، قد تميل الكفة لا محالة لصالح القوى الحداثية.
في نفس السياق، نرى كذلك أنه من الأفيد الرجوع إلى التطورات التي طبعت الانتخابات الترابية السابقة.
بالفعل، لقد تم تسجيل حالات تستحق التحليل والمتابعة.
لقد تتبع الجميع ما حدث في الانتخابات الترابية في جهة الشمال، وما وقع في عملية انتخاب رئيس مجلس مدينة الدار البيضاء الكبرى، وما ميز عملية انتخاب رئيس مجلس المستشارين.
.
.
.
لقد تتبعنا في هذا الصدد السرعة التي تم اعتمادها في تقديم مشروع تنموي جهوي بتركيبة تقنية ومالية تعاقدية أمام جلالة الملك بعد فترة قصيرة تلت انتخاب رئاسة جهة الشمال.
.
.
.
.
إنها تطورات مرتبطة بحزب حديث النشأة استطاع الوصول إلى رئاسة خمس جهات كبرى بالمملكة، تطورات تطرح سؤال التحالفات في المستقبل، ومصادر الشرعية السياسية، ورهان إنتاج نخب بالجودة المطلوبة، ومدى توفر الإرادة السياسية للرفع من مستوى المشاركة الانتخابية إلى مستويات من المفروض أن تتجاوز 60 بالمائة.
فالست سنوات المقبلة ستكون بلا شك مليئة بالأحداث والدروس والعبر،.
.
.
.
وسيكون الرهان المرتبط بها عند كل المغاربة هو تقوية العمل السياسي وربطه بالتنمية الترابية المستدامة.
وفي الختام نقول أن الاستحقاقات البرلمانية المقبلة ستضع المغرب في نقطة مفترق الطرق.
فإذا كانت بعض الأحزاب الوطنية ترفض استعمال العنف بشكل قطعي في مواجهة الاحتجاجات، وتعتبر هذا الموقف ثابت، ولا يمكن أن لا يتم استحضاره في مفاوضات تشكيل التحالفات السياسية، فإن حزب العدالة والتنمية مطالب بتوضيح مواقفه في هذا الشأن وفي مسألة استغلال الدين في السياسة.
كما أنه من المحتمل أن يشكل هذا الوضوح محفزا للرفع من سرعة أداء الأحزاب الوطنية في مسألة إعادة هيكلة أجهزتها التنظيمية بالشكل الذي يجعل من توسيع هامش المشاركة الانتخابية آلية لتشكيل حكومة قوية في مستوى الرهانات المطلوبة.
وهنا نعتقد أن تقوية الأجهزة الحزبية الترابية قد تشكل بلا شك بديلا عن ما يروج في شأن استعمال عبارة “استعمال كل الوسائل المتاحة”.
وهنا، نرى أن الأهم يتجلى في النتائج، يتجلى في تتبع مدى ترجمة الخطابات النظرية في شأن ربط السياسة بالتنمية الترابية (في منطقة الشمال كنموذج) إلى واقع ملموس، يساهم في التنمية السياسية عبر الرفع من مستوى المشاركة الانتخابية ابتداء من الاستحقاقات البرلمانية المقبلة.
فرئيس الجهة، السيد إلياس العماري، وهو شخصية محسوبة على الصف اليساري المغربي، قد أصبح أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة، حزب أعلن مؤخرا توجهه الاشتراكي الحداثي.
في نظرنا، الرابح الأكبر في المستقبل القريب سيكون ذلك الحزب الذي لن يدخر جهدا في تقوية أداءه من خلال الاجتهاد في خلق محفزات الفعل الحزبي الوطني المرتبط بتقوية البناء الديمقراطي والمؤسساتي للبلاد، الحزب الذي سيجسد فعلا الترابط القوي ما بين السياسة والتنمية الترابية.
وإذا ما تحول هذا الهدف إلى انشغال عام يميز المشهد الحزبي المغربي برمته، سيكون الشعب المغربي هو الرابح الأكبر.
فما أحوجنا إلى التقدم في تقوية اهتمام كل الناخبين بالبرامج السياسية، وبالمراقبة الدائمة للسلطات المنتخبة، وبالمحاسبة السياسية عبر صناديق الاقتراع.