هبة زووم – محمد أمين
يمتلك منتخبو جهة درعة نمطا ساحرا في سرد حصيلة منجزاتهم وتفسير برامجهم، انماط استطاعت عبر تدرج السنين أن تؤثث بنوع من الأبدية الموجعة لهذا السلوك العبثي، والعمل على تكريسه وتأبيده في تلافيف الوجدان المجتمعي، ذلك أننا على الرغم من المساحة الثقافية للفواصل الزمنية بين كل مسؤول وآخر وعلى الرغم من أن جل المواطنين يعيشون الواقع بعلقمه إلا أنهم تواقون للاستماع لخرافات هذا المسؤول أو ذاك، حيث نلحظ أنه مازال بعض المسؤولين يتوق إلى الإنشائية والجمل السمينة والرنانة والجرس اللغوي الذي يمتلك قامة إنشائية ولغوية لا تحتمل المراوغة أو حتى طراوة النطق، مثلما نلحظ أن نفس المسؤول غير قادر على تكوين جملة مفيدة بدون الرجوع إلى الورقة التي سهر أحد غلمانه عفوا موظفيه على تحريرها، جمل متورمة باللغة الخشبية لمسؤولين أسست لنظرية الإنجازات الخيالية الورقية وانسلخت من مسلمة أن الواقع الملموس هو الحقيقة.
فلنكن واقعيين، ولنعترف بأن مستوى استجابة المسؤولين للتطور والتحول إلى مسؤول مواطن نسبة إلى المواطنة ليس جميعه بالمستوى ذاته، فهناك من يبذل جهدا كبيرا لإجراء نقلة نوعية في القيام بمهامه، وقطع في ذلك شوطا كبيرا أيضا مما جعل الجميع يذكر اسمه عند سرد أحد المشاريع الحقيقية والميدانية، وهناك مسؤول يجتهد ويحاول لكنه لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب ومع ذلك يتعاطف معه المواطن، وهناك مسؤول لم يحاول ولم يجتهد، بل إنه لا زال يحاول تصديق أكاذيبه بخدمة الصالح العام وهذا النوع تجده يجمع الحسنات في كل لحظة لأن المواطن يردف اسمه بجملة او عبارة من السبابات القادحة.
لا يمكن التذرع بنقص الإمكانات المالية، فهذا عذر لا يمكن القبول به في ظل وجود ممتلكات ومرافق لو تم تدبيرها بشكل عقلاني وقانوني بعيدا عن الاستخلاص الفردي لساهمت في تحويل الحصيلة الورقية إلى ميدانية، كما لا يمكن التذرع بالعجز البشري، ولا يمكن تصديق عدم وجود طاقات بشرية ذات كفاءة، بقدر ما توجد هناك عشوائية وفوضى واضحة وتستر على العديد من الأشباح في تدبير العنصر البشري.
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد تم “تبليص” نوع جديد من المستشارين بمجلس الجهة، وضعوا المصلحة الخاصة شعارا لهم، وتحولوا على حين غرة إلى لوبي لـ”الهموز” ليدخلوا الجهة في بلوكاج جديد بعد البلوكاج الشهير الذي عرفته فترة الشوباني، وليضعوا الرئيس تحت رحمتهم، حيث أسالت الميزانيات السمينة للجهة لعابهم وأثارت شهيتهم، وتنادوا مصبحين أن لن ينال صفقاتها إلا ذو حظ عظيم، ولا عظيم هنا إلا أفراد اللوبي المعلوم…
وكالحاوي الذي يشتت انتباه مشاهديه بحركات مدروسة للوصول إلى هدفه، يقوم لوبي “الهموز” داخل مجلس الجهة بوضع جداول أعمال هلامية ومشاريع فضفاضة وشركات متواصلة وعديدة، لإخفاء هدفهم الحقيقي الذي يتمثل في تفصيل صفقات على مقاسهم وتقسيم كعكة الجهة بينهم وهضمها دون منغصات وبعيدا عن أعين متابعي الشأن الجهوي من مجتمع مدني وحقوقيين، الذي تحول أغلبهم إلى شهود زور ينتظرون فتات ما سيجود به لوبي “الهموز” عليهم…
لن أبالغ كثيرا إن قلت إنه يمكن أن يلامس السقف لو وضعت جميع الملفات الخاصة بالبرامج الهلامية والاستراتيجيات العالقة والمشاريع الجامدة على عروشها بعضها فوق بعض، هذا المسؤول أو ذاك عليه أن يراجع كل ملف على حدة، وعليه أتخيل الوقت الذي سيمضيه بين هذه الأكوام المكدسة من الملفات حتى ينهيها جميعا ويسهر على تفعيلها، لأني اعتبره أضاع فرصة من ذهب عندما نال شرف الجلوس على مقعد القرار فحتى لو حاول تصحيح مساره سيجد المسؤول الجديد في الباب ينتظره لجمع أغراضه.
إن أي مراجعة لما يدور في الشوارع والأزقة والممارسات الميدانية سيكشف عن الطبيعة الاحتيالية التي يتمتع بها بعض المسؤولين بجهة درعة بعيداً عن شقاء المحاسبة وكشف خبايا الدفاتر التي ظلت معلقة في هواء النطق والتصريحات أو في رفوف نال منها السوس وتكالب عليها الدهر، الشيء الذي جعل هاته النوعية من المسؤولين يخسرون فرصة من ذهب وشرف عظيما أن يكونوا مواطنين، لكن التاريخ لن ينساهم كما لن ينسى من خدم هذه البلاد بكل صدق، واختم ببيت الشاعر المتنبي: من طلب العلى بغير كد… أضاع العمر في طلب المحالِ…