الدار البيضاء ومشاريع المبادرة الوطنية: تنمية على الورق ومعاناة على الأرض والوالي يتحول إلى “شاهد ما شافش حاجة”
هبة زووم – إلياس الراشدي
بعد مرور عشرين سنة على انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لا تزال مدينة الدار البيضاء، كبرى حواضر المملكة، تترنح بين واقع التهميش وصور التنمية المفترضة.
اليوم، وفي ظل تزايد مؤشرات الغضب الاجتماعي، يعود السؤال الجوهري ليطرح نفسه بإلحاح: أين ذهبت أموال المبادرة؟ ولماذا لم تنعكس المشاريع المعلنة على حياة المواطن البيضاوي البسيط؟
من المفارقات العجيبة أن تُخصص الملايير لمحاربة الفقر والهشاشة في مدينة يئن سكانها تحت وطأة البطالة، ورداءة الخدمات العمومية، وتفشي السكن العشوائي، وانهيار البنيات التحتية في عدد من الأحياء. هي مفارقة تصفع كل من آمن بأن التنمية مسألة إرادة سياسية، لا مجرد شعارات موسمية.
في هذا السياق، يبرز دور الوالي امهيدية، الذي تولى مسؤولية الجهة في لحظة دقيقة. فالرجل، الذي يُفترض أن يكون العين الساهرة على حسن تنزيل مشاريع الدولة، يبدو – في نظر كثيرين – كـ”شاهد ما شافش حاجة”، فلا مساءلة، ولا محاسبة، ولا أثر ملموس للمبادرات التي طالما بُشّر بها السكان.
تنمية انتقائية وحقوق مؤجلة
المؤسف أن بعض المسؤولين المحليين باتوا ينظرون إلى الفقراء لا كفئة تستحق الدعم، بل كعبء أو حتى كخطر على “السلم الاجتماعي”. يُطلب منهم الصبر بلا مقابل، ويُلامون حين يحتجون، وتُكال لهم التهم الجاهزة: “محركون من الخارج”، “غير واعين بالتحديات الاقتصادية”، وكأن الوعي لا يتحقق إلا بقراءة تقارير البنك الدولي مع فنجان قهوة صباحية.
ما يحدث في الدار البيضاء اليوم هو تجسيد صارخ لفشل السياسات العمومية في محاربة الفقر الحضري المزمن، فمشاريع المبادرة الوطنية، التي كان يُفترض أن تكون جسراً نحو تحسين أوضاع الفئات الهشة، تحولت في كثير من الأحيان إلى واجهات للتزيين الإداري، أو قنوات لصرف الميزانيات دون مراقبة حقيقية.
حاجة ملحّة لمراجعة شاملة
إن ما يحتاجه البيضاوي ليس تقارير منمقة ولا خطباً حماسية. هو في أمس الحاجة إلى تنمية حقيقية تعيد له كرامته، تضمن له التعليم الجيد، والصحة العامة، والسكن اللائق، وبيئة آمنة يعيش فيها بكرامة. تنمية تخرج من صالونات البروتوكول، وتلامس أرض الواقع.
لهذا، فإن الواجب الوطني يقتضي من والي جهة الدار البيضاء سطات وضع حد للارتباك والتسيب في تدبير أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، عبر فتح تحقيق شفاف حول مآلات الميزانيات المرصودة، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في عرقلة أو تبديد مشاريع التنمية، دون استثناء أو تمييز.
بين الاستمرار في التضليل أو الاعتراف بالفشل
ما لم يتم وضع مشاريع المبادرة تحت مجهر التقويم والمحاسبة، فإن الاستمرار في هذا النهج لن يعني سوى أمر واحد: الضحك على دقون ساكنة الدار البيضاء، وتمديد مسلسل التهميش والإقصاء لعقود قادمة.
وإذا كانت الدولة تتحدث عن “نموذج تنموي جديد”، فإن تطبيق هذا النموذج يجب أن يبدأ من أكثر المدن المغربية اكتظاظاً وتناقضاً. أما إذا استمر التعاطي بنفس الذهنية، فإن ما نعيشه ليس سوى نموذج قديم في الإخفاق، بثوب جديد من الخطاب.