أحمد التويزي والتصفيق الملغوم: كيف يكمّم “الأصالة والمعاصرة” صوت جمعيات حماية المال العام؟

هبة زووم – الرباط
في مشهد يعكس عمق أزمة الديمقراطية وغياب الإرادة الحقيقية لمحاربة الفساد، صفق أحمد التويزي، رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، بحرارة لتمرير قانون المسطرة الجنائية الذي يهدد بشكل مباشر دور جمعيات حماية المال العام، تلك الجمعيات التي ظلت على مدى سنوات، برغم كل الصعاب، رأس الحربة في فضح ملفات الفساد وإسقاط الأقنعة.
ما يجعل هذا التصفيق مريباً ليس مجرد مواقف التويزي الأخيرة التي وصف فيها هذه الجمعيات بأنها “مصدر فساد”، بل هو تجربته الشخصية ذات الطابع القضائي مع تلك الجمعيات نفسها، التي نجحت في جرّه إلى ردهات المحاكم في أكثر من قضية، تكشف عن صراع معلن بين مصالحه الشخصية ومصالح الوطن.
قانون “تكميم الأفواه”: بداية مسار الإفلات من العقاب
المفارقة الأليمة أن هذا القانون، الذي حظي بدعم واضح من فريق التويزي، لن يكون إلا بداية لمسلسل طويل من الإفلات من العقاب، خصوصاً أن من شأنه أن يجعل متابعة رؤساء الجماعات المنتخبين – وحتى كبار المسؤولين – أمراً شبه مستحيل، إذ يشل قدرة جمعيات الرقابة الشعبية على التبليغ والتحقيق، عبر إجراءات بيروقراطية تعيق عملها وتحاصرها.
هذا يعني بعبارة أوضح: إعدام رقابة المجتمع المدني، وتعزيز الإفلات من العقاب داخل دوائر الفساد الرسمي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز شفافية المؤسسات ومحاسبة المتورطين لا تقييد أيدي من يطالبون بذلك.
ردة فعل برلمانية تدل على تضامن المصالح لا مصلحة الوطن
تصفيق البرلمانيين، خصوصاً أعضاء حزب الأصالة والمعاصرة، على هذا القانون، لا يمكن تفسيره إلا ضمن سياق مصالح حزبية وشخصية ضيقة، تحرص على تقويض أي آلية رقابية خارج مؤسسة الدولة، على حساب المصلحة العامة. فمن يدعم قانوناً يُقيد قدرة الجمعيات على متابعة كبار الفاسدين، لا يمكن أن يدعي أنه يحمل هم الإصلاح أو مكافحة الفساد.
ومن خلال هذا الدعم الصريح، يبدو أن كثيرين داخل البرلمان لا يريدون فقط حماية “كبار الفاسدين”، بل يحرصون على إرساء مناخ من الإفلات الكامل من المحاسبة، يضمن لهم ولأصدقائهم مناصب ونفوذاً مطلقين.
هل تتحول الجمعيات إلى كبش فداء؟
التصريحات النارية للتويزي ليست إلا محاولات لشيطنة جمعيات المجتمع المدني، التي تمثل إحدى القلائل التي استطاعت، رغم إمكانياتها المحدودة، أن تمارس دوراً رقابياً فعالاً، في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية، تتحول هذه الجمعيات إلى كبش فداء يُرمى عليه فشل الحكومات وغياب الإصلاح.
لكن هذه اللعبة ليست جديدة، حيث طالما حاولت أنظمة وأحزاب كثيرة على مر السنين تكميم أفواه المبلغين عن الفساد، عبر تشويه صورتهم أو رفع دعاوى قضائية ضدهم، وكأن فضح الفساد أصبح جريمة يعاقب عليها القانون.
خلاصة قاتمة: تراجع مؤلم في زمن الحاجة إلى التقدم
في الوقت الذي تنادي فيه كل القوى الوطنية بضرورة تعزيز الشفافية وإصلاح المؤسسات، نجد أنفسنا أمام انزلاق خطير نحو تقييد المجتمع المدني، وتخويف المواطنين، وخلق حصانة واسعة للفساد.
تصريحات أحمد التويزي وتصفيق فريقه ليست سوى دليل قاطع على أن المنظومة السياسية ما زالت تحمي مصالحها الذاتية على حساب الوطن، وأن هذا القانون هو بمثابة “بطاقة براءة” للفاسدين، وتقويض لحق الشعب في الرقابة والمحاسبة.
فهل من يعقل أن يكون مصير مشروع مكافحة الفساد أن يُخنق الصوت الذي يُنبه إليه؟ وهل من المنطقي أن يُنقل المتحدث عن “مصدر الفساد” من أروقة المحاكم إلى قبة البرلمان ليُثني عليه الجميع؟ الواقع المُر هو أن هذا المشهد لا يخدم إلا مصالح من يريدون إبقاء الفساد على قيد الحياة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد