انسحاب على المقاس: هل انتهى الاتحاد الاشتراكي كقوة نضالية؟

هبة زووم – محمد خطاري
في خطوة أربكت التوازنات داخل المشهد الحزبي المغربي، اختار إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الانسحاب من تحالف المعارضة الذي كان يهدف إلى سحب الثقة من الحكومة.
قرار أثار موجة واسعة من الغضب داخل قواعد الحزب، وكشف عمق أزمة الثقة بين القيادة والقاعدة، بل وأعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل ما يزال هذا الحزب يُمثّل فعلًا اليسار النضالي في المغرب، أم تحوّل إلى مجرد واجهة سياسية للترضيات والصفقات؟
التحول المفاجئ في موقف القيادة لم يكن مبررًا لا سياسيًا ولا أخلاقيًا، خاصة أن لشكر كان من أبرز المتحمسين لمشروع سحب الثقة، وقد برر ذلك في أكثر من مناسبة بكونه ردًا على ما اعتبره هيمنة متنامية واستفرادًا بالقرار الاقتصادي والسياسي من طرف الأغلبية الحاكمة. لكن التراجع عن هذا التوجه، من دون استشارة الأجهزة التقريرية للحزب أو فتح نقاش داخلي، فتح الباب أمام سيل من التساؤلات والانتقادات اللاذعة.
مصادر اتحادية من داخل القطاعين الشبابي والنسائي عبّرت عن رفضها للقرار، ووصفت ما حدث بـ”الخيانة السياسية” التي لا تمثل طموحات القواعد ولا تعكس روح الحزب وتاريخه. البعض لم يتردد في الحديث عن “صفقة” سياسية أُبرمت في الكواليس، قائلين إن “رائحة البيع والشراء باتت تزكم الأنوف”، بينما اعتبر آخرون أن ما حدث يمثل “انهيارًا أخلاقيًا للحزب قبل أن يكون انحدارًا تنظيميًا”.
هذا الغليان الداخلي يعكس اتساع الفجوة بين قيادة الحزب وباقي مكوناته، في وقت أصبحت فيه مؤسسات الحزب – مثل اللجنة الإدارية والمكتب السياسي – مجرد هياكل شكلية تُستعمل لتمرير قرارات جاهزة.
واقع يُعيد إلى الأذهان الانتقادات التي طالت إدريس لشكر منذ المؤتمر الوطني الأخير، والذي وُصف بأنه “أغلق كل منافذ التجديد”، وأعاد إنتاج منطق الزعامة بدل القيادة التشاركية.
لكن الأهم، وفق متابعين، هو الأثر الرمزي لما جرى: انسحاب الحزب من موقع المعارضة الجذرية لا يمس فقط تموقعه السياسي، بل يضرب في العمق إرثه النضالي، ذلك الإرث الذي بُني على مقاومة التحكم السياسي والدفاع عن الكرامة والعدالة الاجتماعية. ويبدو أن هذا الإرث بات اليوم رهين حسابات ظرفية لا تقيم وزنا للذاكرة ولا للمناضلين.
ومع تزايد الأصوات المطالِبة بتوضيحات ومحاسبة داخلية، يبرز سؤال محوري: هل ما جرى هو نهاية لمسار سياسي مأزوم، أم أنه بداية انهيار أكبر لحزب لطالما كان يشكل أحد أعمدة المعارضة في المغرب؟ وهل يملك الاتحاد الاشتراكي القدرة على استعادة المبادرة، أم أنه دخل مرحلة “الكم السياسي” دون وزن نوعي حقيقي؟
في انتظار جواب الأيام القادمة، يبقى الثابت أن الصدمة داخل القواعد ليست عابرة، وأن الرصيد التاريخي للحزب أصبح على المحك. ففي السياسة، قد يُغتفر الخطأ، لكن انعدام الشفافية وخرق الالتزام الأخلاقي لا يُمحى بسهولة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد