هبة زووم – محمد خطاري
لم تكن أولى الجلسات الأسبوعية المخصصة للأسئلة الشفوية بمجلس النواب، برسم آخر دورة برلمانية، مجرد فضاء للمساءلة الحكومية، بل تحولت إلى ساحة حرب كلامية غير مسبوقة، بعدما تفجر جدل حاد بين رئيس المجلس إدريس الشطيبي ونواب من أغلبيتها ومعارضتها، حول ما وصفه الأول بطرح مواضيع ذات طابع محلي ضداً على النظام الداخلي.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إذا كان النظام الداخلي يحدد قواعد اللعبة، فلماذا يتحول تطبيقه إلى سبب للتوتر؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل الرقابة البرلمانية من أداة بناء إلى ساحة صراع تحت غطاء احترام القانون؟
فبينما يُفترض أن تكون الأسئلة الشفوية فرصة لمحاسبة الحكومة ومناقشة السياسات العمومية، تجد نفسها رهينة حروب لفظية ونقاط نظام واتهامات متبادلة، في مشهد لا يُهدر فقط وقت البرلمان، بل يُعمّق شعور المواطنين بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل المسؤول من خادم للمصلحة العامة إلى حارس للبروتوكول.
قال رئيس مجلس النواب إدريس الشطيبي إن “القانون يمنع المواضيع المحلية في الأسئلة الشفوية”، داعياً النواب إلى “الخضوع لهذا المقتضى المضمن في النظام الداخلي أو حذفه منه”، تصريح يبدو قانونياً في ظاهره، لكنه في واقع التدبير البرلماني يطرح إشكاليات جوهرية: لماذا لا يُعلن مجلس النواب عن دليل إجرائي واضح يحدد ما هو محلي وما هو وطني في الأسئلة الشفوية، بدلاً من ترك التأويل الشخصي يدير المشهد؟ وأين هي آلية التذكير المسبق بالنظام الداخلي قبل الجلسات، لضمان أن أي مخالفة لا تتحول إلى سبب للتوتر؟ وكيف يمكن للنواب أن يثقوا في حياد الرئاسة بينما يجدون رئيس المجلس يُصنفهم إلى فئات محترمة وأخرى مخالفة؟
فتحويل الرئاسة البرلمانية من مُيسّر للنقاش إلى حارس للقانون لا يُهدر فقط فرص الحوار البناء، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم راحة البروتوكول على شرف الخدمة.
وجاء غضب برلماني الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي ترأس جلسة اليوم، في أعقاب رد نواب على وزير التجهيز والماء نزار بركة حول برنامج بناء السدود.
واعتبر البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة عبد الرحيم بوعزة، في نقطة نظام، أن النقاش المثار لا يقدم صورة إيجابية للمواطنين، مطالباً رئيس الجلسة بتحمل مسؤولياته كاملة.
فتحويل نقطة النظام من أداة ضبط إلى سلاح إسكات لا يُهدر فقط حقوق النواب في التعبير، بل يُعمّق شعورهم بالعجز البرلماني الذي يُحوّل الرئيس من مُيسّر للحوار إلى حارس للهدوء.
ولفت بوعزة إلى أن مواضيع مثل هذه تتم مناقشتها داخل المكتب، ويُتّخذ بشأنها قرار متوافق حوله، ولا يتم التعامل معها بهكذا فوضى، عبارة تبدو مؤسسية في ظاهرها، لكنها في واقع الممارسة البرلمانية تطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كانت المواضيع الخلافية تُناقش داخل المكتب فلماذا لا تُعلن قرارات المكتب للعموم لضمان شفافية النقاش؟
فتحويل مكتب المجلس من فضاء تنسيق إلى غرفة قرارات مغلقة لا يُهدر فقط فرص الشفافية، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي تُقدم راحة الكواليس على شرف العلنية.
وتُعتبر طريقة رئاسة الشطيبي مثيرة للجدل، حيث تتميز كل مرة يرأس فيها المجلس بحرب كلامية غير مسبوقة، وهو ما دفع عدد من البرلمانيين إلى اتهامه بتوتير الجلسات والبحث عن البوز في كل مرة، اتهام ثقيل يطرح سؤالاً وجودياً: إذا كان الرئيس يُتهم بالتوتير فمن يضمن حياد المؤسسة؟
فلم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك جلسات مجلس النواب رهينة الحروب الكلامية وصمت التهدئة، ما يحتاجه النواب والمواطنون والمهتمون بالشأن البرلماني اليوم هو: مراجعة النظام الداخلي لتحديد واضح للمواضيع المحلية والوطنية، مع آليات مرنة تسمح بمناقشة هموم المواطنين دون خرق القانون، واعتماد بروتوكول هادئ لإدارة النقاط النظامية، يضمن ضبط النقاش دون إسكات الأسئلة المشروعة، مع اعتماد مدونة سلوك لرئاسة الجلسات، تضمن أن أي تدخل يخدم هيبة المجلس لا شخصنة النقاش.
ما يعيشه مجلس النواب مع ملف إدارة الجلسات ليس خلافاً إجرائياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية المؤسسة التشريعية وقدرة رئيسها على تجاوز عقلية الصراع لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول وعود الحياد من كلمات في خطاب إلى ممارسات هادئة على الأرض، مع إرادة مؤسسية حقيقية واحترام للحوار، وإما أن تستمر ثقافة التوتر التي تُحوّل الرئاسة من تكليف لخدمة البرلمان إلى منصة للشخصنة وتُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على ضمان نقاش بناء.
تعليقات الزوار