هبة زووم – الرباط
قبل أيام قليلة من تقديم الحكومة لحصيلتها أمام مجلسي البرلمان، أعلن رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن إدارته تقترب من تحقيق هدف إحداث مليون منصب شغل، مُستنداً إلى معطيات تُفيد بأن الاقتصاد الوطني أحدث نحو 850 ألف منصب في القطاعات غير الفلاحية بين 2021 و2025.
لكن خلف هذا الرقم المبهر، يبرز سؤال محرج: إذا كانت القطاعات غير الفلاحية فقط هي من تُحتسب فأين ذهبت مئات الآلاف من المناصب المفقودة في القطاع الفلاحي بفعل الجفاف؟ وأي حكمة إحصائية هذه التي تُحوّل الهدف الصافي إلى إجمالي انتقائي تحت غطاء الدينامية الاقتصادية؟
فبينما تُراهن الحكومة على تحسن المؤشرات واستمرار الدينامية، يجد المواطن نفسه أمام أرقام متضاربة: 850 ألف منصب غير فلاحي حسب البلاغ الحكومي، مقابل 94 ألف منصب صافي فقط حسب تفسير المعارضة لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث الإحصاء بينما يُترك المواطن يتفرج على حقه في الشغل وهو يتحول إلى ورقة ضغط سياسية أمام عينيه؟
أكد البيان الحكومي أن الاقتصاد الوطني تمكن من إحداث نحو 850 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية، بمعدل سنوي يناهز 170 ألف منصب خلال الفترة 2021-2025، مع إمكانية تجاوز عتبة المليون مع متم 2026 إذا استمرت دينامية 2025 (233 ألف منصب). لكن إدريس الأزمي الإدريسي، من المعارضة، اتهم رئيس الحكومة بالتحريف والتلبيس، موضحاً أن الالتزام الأصلي كان ينص على مليون منصب صافي، أي بعد احتساب المناصب المفقودة خاصة في الفلاحة المتضررة من الجفاف.
فتحويل الإحصاء من أداة قياس موضوعية إلى سلاح خطابي لا يُهدر فقط مصداقية السياسات العمومية، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم راحة الأرقام على شرف الشفافية.
واستند الأزمي في نقده إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي تشير – بحسبه – إلى أن صافي مناصب الشغل المحدثة إلى حدود نهاية 2025 لا يتجاوز 94 ألف منصب فقط، رقم يبدو صادماً مقارنة بـ”850 ألف” الحكومية، ويطرح سؤالاً جوهرياً: من يملك الحقيقة الإحصائية؟
وفي السياق ذاته، تساءل إدريس الأزمي عن إدراج مناصب الشغل المحدثة خلال سنة 2021 ضمن حصيلة الحكومة، رغم أن ولايتها انطلقت فعلياً في أكتوبر من السنة ذاتها، مما يطرح سؤالاً حول نسبة الأشهر التي تُحتسب فعلياً ضمن الولاية الحكومية.
كما استغرب ما اعتبره “تحولاً مفاجئاً” في خطاب الحكومة، بعد أن أقرت في مناسبات سابقة بصعوبة تحقيق هدف المليون منصب، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول دقة التوقعات ومنهجية إعداد الحصائل الحكومية.
ومن المرتقب أن يتصاعد هذا الجدل السياسي خلال جلسة تقديم الحصيلة الحكومية أمام البرلمان، في ظل تباين واضح في قراءة المؤشرات المرتبطة بسوق الشغل، بين تأكيد حكومي على تحسن الأداء وتشكيك معارض في دقة الأرقام المعتمدة ومنهجية احتسابها.
وتُعتبر جلسة البرلمان المقبلة محطة مهمة لتوضيح المنهجية المعتمدة في احتساب مناصب الشغل، ولتقديم معطيات مفصلة حول وضعية التشغيل في مختلف القطاعات، خاصة في ظل الأهمية البالغة التي يوليها المواطنون لملف التشغيل وفرص العمل.
ويمثل الجدل الدائر حول حصيلة مناصب الشغل فرصة لتعزيز الشفافية في نشر المعطيات الإحصائية الرسمية، ولتوحيد منهجية قياس مؤشرات التشغيل بين مختلف المؤسسات الرسمية.
فإما أن تتحول هذه النقاشات إلى تحسين آليات إعداد الحصائل الحكومية ونشر المعطيات بشكل واضح ومفصل، وإما أن يستمر التباين في القراءات مما قد يُضعف ثقة المواطنين في الأرقام الرسمية.
يبقى الرهان الآن على قدرة الحكومة والمؤسسات الإحصائية على تقديم معطيات شفافة وموحدة حول ملف التشغيل، تضمن حق المواطن في المعلومة الدقيقة، وتساهم في بناء ثقة متينة بين المؤسسات والفاعلين السياسيين والمجتمع ككل.
تعليقات الزوار