بنسليمان: العامل بوكوتة يرفع الورقة الحمراء في وجه “فراقشية الصحافة”

هبة زووم – إلياس الراشدي
في مشهد بات مألوفًا لكنه مثير للقلق، تعيش مدينة بنسليمان على إيقاع عبث إعلامي مفضوح، تقوده فئة دُخَلت على المهنة دون تكوين أو خلفية أخلاقية، تعرف محليًا بلقب “فراقشية الصحافة”، فئة حولت المهنة النبيلة إلى أداة ابتزاز واستجداء، وتسللت إلى ساحات المجالس ببطاقات مشبوهة وكاميرات حفلات.
هذه الظاهرة، التي تسيء لمهنة المتاعب، لم تعد تقتصر على تشويه صورة الصحافة، بل أصبحت تمارس وقاحة مهنية مضاعفة حين نصّبت نفسها حامية لأخلاقيات المهنة، وتحوّلت إلى مصدر إزعاج داخل الفضاءات المؤسساتية، تحت يافطة زائفة من “العمل الصحفي”.
أمام هذا الوضع، جاء تحرك عامل إقليم بنسليمان، الحسن بوكوتة، خطوة جريئة وضرورية في آن واحد. فخلال أشغال الدورة العادية للمجلس الإقليمي، قرر منع المصورين غير المهنيين و”صحافة الأعراس” من الحضور، في رسالة واضحة مفادها أن زمن التساهل مع المتطفلين على مهنة الصحافة قد انتهى.
القرار، الذي لقي استحسان العديد من الفاعلين الجادين في الحقل الإعلامي، أعاد النقاش حول حدود حرية الصحافة، ومسؤولية السلطات في حماية المؤسسات من الفوضى التي تمارس باسم الكاميرا.
لقد تحولت بعض فضاءات النقاش العمومي بإقليم بنسليمان إلى ما يشبه الأسواق الإعلامية العشوائية، حيث تُباع الأخبار وتُفبرك الوقائع، ويتحول “الستوري” إلى سلعة في بورصة النفوذ المحلي.
ورغم أن الصحافة الحقيقية تقوم على التمحيص والمساءلة، فإن ما نعيشه اليوم هو عكس ذلك تمامًا: ابتزاز مكشوف، وحضور سطحي، وتنافس على صور الوجوه أكثر من الأفكار.
المؤلم أكثر أن هؤلاء “الفراقشية” لا يترددون في تقديم أنفسهم كمرجعية أخلاقية، ويكيلون الاتهامات لزملاء جادين لأنهم ببساطة لا يخضعون لمنطق “البرّاكة” و”الظرف”.
وهم في الواقع مجرد انعكاس لفوضى أكبر تَشُوب علاقة الصحافة بالسلطة والمال، ونتيجة فراغ قانوني ترك الباب مفتوحًا أمام كل من هبّ ودبّ ليحمل صفة “صحافي” دون قيد أو شرط.
تحرك عامل الإقليم لم يكن تقييدًا للحرية، بل دفاعًا عن جوهرها، فحرية الصحافة لا تعني تحويل المجالس المنتخبة إلى بلاطوهات عبث، ولا تعني بالضرورة أن يحمل كل من اشترى كاميرا صفة “الإعلامي”.
إنها مسؤولية تقتضي الاحتراف، والمهنية، والأخلاق. وكل ما يخالف ذلك، هو إساءة للصحافة قبل أن يكون تجاوزًا للقانون.
إن حماية المهنة من التطفل لا تعني إقصاء أحد، ولكنها تتطلب وضع حد للمتاجرين بها، ومن هنا، فإن ما قام به العامل بوكوتة، يمثل تحركًا مؤسسيًا لوضع حد لفوضى باتت تهدد جوهر العمل الديمقراطي والتنموي بالإقليم.
وقد يكون هذا التحرك بداية لاستعادة الصحافة لمكانتها الطبيعية كسلطة رابعة تُراقب وتفضح، لا كظل باهت لأجندات مموّلة وأوهام شخصية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد