هبة زووم – محمد خطاري
في جلسة شفهية بمجلس المستشارين، عاد وزير الفلاحة أحمد البواري ليعزف على وتر الجفاف والظروف المناخية الصعبة، مبررًا الانهيار المقلق في أعداد القطيع الوطني وتراجع العرض في اللحوم الحمراء، دون أن يتحلى بالشجاعة السياسية الكافية لمصارحة الرأي العام بأن جزءًا كبيرًا من هذه الأزمة يعود إلى خيارات وزارته في التسيير والتخطيط الفلاحي خلال السنوات الماضية.
الوزير أكد أن “الثروة الحيوانية تأثرت بفعل توالي سنوات الجفاف وقلة الموارد”، مشيرًا إلى ظاهرة ذبح إناث الأغنام لتلبية حاجيات السوق، وهو ما يهدد استمرارية القطيع رغم ما وصفه بـ”المجهودات الحكومية”.
غير أن هذا التشخيص الميداني يغفل أو يتغافل عن الإشكالات البنيوية المرتبطة بتدبير قطاع تربية الماشية، وأبرزها غياب رؤية استراتيجية لتثمين الأعلاف، وتهميش الكساب الصغير، وترك الأسواق فريسة لاحتكار سماسرة الأعلاف والوسطاء.
ورغم حديثه عن برامج حكومية جديدة، من بينها “إعادة جدولة ديون حوالي 50 ألف مربي ماشية” بكلفة 700 مليون درهم، وإعفاءات جزئية على قروض تقل عن 100 ألف درهم، فإن المراقبين يعتبرون هذه الإجراءات مُسكنات مؤقتة أمام أزمة هيكلية تتطلب إصلاحًا عميقًا في نموذج تدبير السياسة الفلاحية، خاصة في ظل هشاشة منظومة الأعلاف وارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل يفوق قدرة المربين الصغار والمتوسطين.
ويراهن الوزير على التعليمات الملكية القاضية بعدم إقامة شعيرة الأضحى هذه السنة، معتبرًا أن هذا القرار “شكل فرصة حقيقية لإعادة هيكلة القطيع الوطني”، غير أن هذا الموقف لا يخفي حقيقة أن القطيع كان قد دخل مرحلة الخطر قبل القرار الملكي، بفعل تراكمات سابقة وتخبط مزمن في السياسات القطاعية.
وفي محاولة لامتصاص الغضب الاجتماعي، أعلن الوزير عن إطلاق برنامج موجه للشباب القروي، يشمل مشاريع مدعومة لتربية الماشية، وإنتاج الأعلاف، والتلقيح الاصطناعي، واللوجستيك الفلاحي، بكلفة إجمالية قد تصل إلى 3 مليارات درهم بنهاية 2025، مع دعم مباشر إضافي بـ3.2 مليارات درهم سنة 2026.
لكن الملاحظين يتساءلون: هل يمكن للبرامج والدعم العمومي أن تحقق هدف استدامة القطيع، في غياب الشفافية في توزيع الدعم، وضعف التتبع والمواكبة التقنية، واستمرار منطق الريع الفلاحي في التعامل مع المربين الصغار؟
إن استمرار خطاب التبرير المناخي، دون جرأة في مراجعة السياسة الفلاحية القائمة على دعم كبار المستثمرين وتهميش الكساب التقليدي، قد يُحوّل الأزمة من مؤقتة إلى بنيوية.
والمطلوب اليوم ليس فقط برامج دعم مالي، بل تحول جذري في فلسفة القطاع الفلاحي ليكون أكثر عدالة وإنصافًا واستدامة.
تعليقات الزوار