وهبي: “التسول الحقوقي والسياسي” أخطر من النصب الرقمي والحكومة تلوّح بتجريم الظاهرة العابرة للمنصات

هبة زووم – الرباط
في تصريح أثار جدلاً واسعاً تحت قبة البرلمان، وجّه وزير العدل عبد اللطيف وهبي انتقادات لاذعة إلى ما أسماه “التسول الرقمي”، معتبراً أن بعض الأفراد يمارسون أنواعاً جديدة من الاستجداء تحت غطاء الخطاب السياسي والحقوقي، بهدف تحصيل المال والتأثير، مستغلين هشاشة الفضاء الرقمي ومحدودية الضبط القانوني له.
وجاء تصريح وهبي خلال جلسة الأسئلة الشفهية المنعقدة يوم الاثنين 30 يونيو 2025 بمجلس النواب، حيث قارن الوزير بين التسول العلني في الشوارع والتسول المقنّع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً هذا الأخير أخطر من حيث الأثر المجتمعي وآليات النصب.
وقال بالحرف: “أصبحنا نرى اليوم من يتسولون عبر الخطاب الحقوقي والسياسي، وهذا أخطر من التسول المباشر… لأنهم يوظفون شعارات نبيلة لتغطية أهداف مادية محضة”، مبرزاً أن هذه الممارسات لا تخضع لقانون “الإحسان العمومي” وتدخل مباشرة في خانة الاحتيال الرقمي.
وأوضح الوزير أن التسول، سواء في الواقع أو عبر المنصات، يبقى جريمة بموجب المادة 633 من القانون الجنائي المغربي، مشيراً إلى أن التسول المقرون بالخداع أو الكذب يُصنَّف ضمن جرائم النصب المعاقب عليها.
واستشهد وهبي بإحصائيات تعود إلى سنة 2020، حيث تمت إحالة أزيد من 6 آلاف قضية مرتبطة بالتسول أمام القضاء، أدين فيها أكثر من 6500 شخص، معتبراً أن الأرقام قد تكون ارتفعت بسبب التوسع الهائل للتكنولوجيا الرقمية، مما يسمح بتوسيع دوائر الاستغلال، وتضليل المتلقين، وجني أرباح مالية مشبوهة.
في السياق نفسه، عبّر النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، عبد العزيز حميدو، عن قلقه من تفشي ما أسماه “التسول الرقمي العابر للحدود”، موضحاً أن الظاهرة تطورت لتشمل شبكات وهمية تنشط على الإنترنت، تضم أشخاصًا مجهولي الهوية والموقع، يعرضون قصصًا إنسانية أو مظلومية سياسية للحصول على التبرعات دون أي رقابة أو شفافية.
وأكد حميدو أن هذه الممارسات لا تؤثر فقط على ثقة المواطنين في العمل الحقوقي والسياسي، بل تقوّض أسس التضامن الحقيقي، وتضرب مصداقية المطالب الاجتماعية الأصيلة، داعياً الحكومة إلى بلورة خطة وطنية تدمج الجانب القانوني الزجري بالتوعية المجتمعية والبيداغوجية.
دعوة لتجريم “التسول المغلف” وتشديد الرقابة الرقمية
التحذيرات الحكومية لم تأت في سياق معزول، بل تنضاف إلى سياق دولي متزايد يدعو إلى تنظيم العمل التضامني الإلكتروني، ومواجهة الاستخدام غير المشروع للخطاب السياسي والحقوقي كوسيلة للحصول على تمويلات غير مشروعة، دون أن يكون وراءها عمل حقيقي أو التزام ميداني.
ويرى متابعون أن تصريحات وزير العدل تدشن مرحلة جديدة من الحزم الحكومي تجاه ظواهر “الاسترزاق السياسي” و”الاتجار الرمزي بالقيم الحقوقية”، داعين في الوقت نفسه إلى وضع معايير صارمة للتمويل الأجنبي، وتعزيز الشفافية داخل المنظمات المدنية والإعلامية التي تنشط في الفضاء الرقمي.
غير أن هذه التصريحات فتحت أيضاً الباب أمام نقاش موازٍ حول التوازن بين مكافحة “التسول المقنّع” وحماية حرية التعبير والعمل الحقوقي، إذ يخشى بعض المراقبين أن تُستغل هذه الخطابات لتضييق الخناق على الأصوات النقدية أو المستقلة، في حال لم يتم ضبط التعاريف القانونية بدقة، والفصل بين حرية التعبير والتربح غير المشروع باسمها.
في ظل تسارع التحولات الرقمية، يبدو أن الحكومة المغربية تستعد لإطلاق معركة تشريعية ضد ما تصفه بـ”التسول الرقمي”، خصوصًا حين يختلط فيه السياسي بالمالي، والحقوقي بالإعلاني، لكن الرهان الحقيقي سيظل في رسم الحدود بين الفعل النضالي الحقيقي، ومحاولات التربح من القضايا العادلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد