هبة زووم – إلياس الراشدي
من قلب العاصمة الاقتصادية، تنفجر الملفات وتتساقط الأقنعة، معلنة عن بداية موسم طال انتظاره: موسم قطاف رؤوس أينعت في مناخ الفساد، وترعرعت على موائد الريع، واستقوت على القانون بعنفوان الحصانة ودهاء التحالفات.
هي الدار البيضاء، التي لم تعد بياضها الرمزي ينقذها من سواد الأفعال والشبهات، فقد فتح قاضي التحقيق أخيرًا بوابة السجن على مصراعيه، وأحال عشرة متهمين في قضايا سمسرة قضائية إلى عكاشة، في خطوة اعتبرها كثيرون بداية متأخرة لموسم “تنقية الحقل السياسي”، وإن جاءت محاطة كالعادة بشكوك التوقيت والانتقائية.
الواقع أن هذه الرؤوس لم تُقطف لأنها أفسدت، بل لأنها تكاثرت وأصبحت مزعجة للكبار أنفسهم، لم تَظهر الملفات من باب تطهير شريف، بل من ضرورة تنظيم طاولة السمسرة، وتحديد من يحق له الجلوس عليها، ومن يتوجب إبعاده لأنه تجاوز حجمه أو زاحم أكثر مما ينبغي.
لقد أفسد الفاعلون السياسيون الحقل، وأفسده معهم سماسرة الإدارة وحقول أخرى، بعضهم ظن أن الحصانة جذر أبدي في أرض مغلقة، لا تمسه محاسبة ولا تنال منه شكاوى الناس.
لكن كما لكل شيء نهاية، ها هو “الموسم” يُفتح، لا لأن الدولة استيقظت فجأة على حلم النزاهة، بل لأن المشهد اختنق وأصبح لا يُحتمل.
وسط هذا السياق المشحون، تطفو إلى السطح إشكالية العلاقة المعقدة بين السياسي والإعلامي، علاقة كثيرًا ما تتذبذب بين التجاذب والتوتر، بين المصالح المتبادلة والمساءلة المطلوبة.
فالسياسي يرى في الإعلام قناة لنقل رسائله، في حين يتمسك الإعلامي بدوره كضمير للمجتمع، يراقب، يفضح، ويُحرج.
هذه العلاقة غير المتكافئة تجعل الإعلامي، إن بقي حراً، جزءًا من منظومة التصحيح، وإن خضع، صار طرفًا في التواطؤ، يلمع الواجهة ويُجمّل القبح.
المشكلة الأعمق ليست في من سقطوا، بل في من لا يزالون يبتسمون في الظل، متيقنين أن المواسم ستمر كما مرت من قبل: ضربة على الحائط، ثم العودة إلى العادة القديمة.
الدار البيضاء لا تحتاج إلى حملة توقيفات بل إلى منظومة تصفية سياسية وإدارية حقيقية، تطال البنية، لا فقط الوجوه، تحتاج إلى فتح ملفات العقار، والصفقات العمومية، واستغلال النفوذ، وتبييض الأموال، والارتباطات العائلية المتوغلة في كل مرفق.
نعم، رؤوس أينعت فسادًا، فاشتد عودها وتوهّمت الخلود، قُطِفَت بعضها لأن التوازن اقتضى ذلك، لا لأن القانون عاد إلى الحياة، والآن، تنتظر المدينة وعموم البلاد الجواب على سؤال جوهري: هل نحن أمام تطهير حقيقي؟ أم فقط “صيانة داخلية” لنظام فاسد لا يحتمل مزيدًا من الضوضاء؟
في الدار البيضاء، لا تزال بعض الأشجار المسمومة واقفة، تنتظر من يملك الجرأة لاقتلاع جذورها، لا فقط تقليم أغصانها.
تعليقات الزوار