درعة تافيلالت: مجلس الجهة يخصص أكثر من 116 مليون سنتيم للتواصل الرقمي وسط تساؤلات عن الجدوى والشفافية
هبة زووم – درعة تافيلالت
في خطوة أثارت موجة من الجدل والتساؤلات حول أولويات الإنفاق العمومي وممارسات التدبير الجهوي، أعلن مجلس جهة درعة تافيلالت عن إطلاق طلب عروض مفتوح مبسط رقم 11/RDT/2025، يروم التعاقد مع شركة أو مقاولة لـ”تقديم خدمات التواصل، والإشهار، وإدراج أنشطة المجلس عبر الموقع الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي”.
الصفقة، التي سيُفتح أظرفتها يوم 23 يوليوز الجاري بمقر المجلس في مدينة الرشيدية، تُقدر كلفتها الإجمالية بـ 1.162.800,00 درهم، أي ما يفوق 116 مليون سنتيم، مع تحديد ضمان مؤقت في حدود 20 ألف درهم.
بين الحاجة المشروعة وسؤال الغموض
رغم أن تعزيز قنوات التواصل المؤسساتي وتحسين الصورة العامة للمجالس الترابية مطلب حديث ومتزايد، فإن قيمة الصفقة المطروحة تبدو منفصلة عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه جهة درعة تافيلالت، والتي تُصنف بين الجهات الأكثر هشاشة وتهميشًا على المستوى الوطني.
ففي الوقت الذي تئن فيه مناطق شاسعة من الجهة تحت وطأة العزلة وضعف البنيات التحتية وندرة الخدمات العمومية الأساسية، يأتي هذا الإعلان ليفتح النقاش من جديد حول أولوية صرف المال العام، ومدى احترام قواعد الشفافية والفعالية في تدبير الميزانيات.
شبهات “التفصيل على المقاس”؟
تعليقات نشطاء محليين على مواقع التواصل الاجتماعي لم تتأخر. فقد وُصف المشروع بـ”صفقة التواصل الذهبي”، في إشارة إلى ما اعتُبر مبلغًا مبالغًا فيه بالنظر إلى طبيعة الخدمات المطلوبة، والتي تقتصر حسب الإعلان على تغطية أنشطة المجلس رقميا، دون أي إشارات لمضامين استراتيجية أو إنتاجات مهنية عالية التكلفة.
وانتقد البعض ما اعتبروه محاولة “تفصيل الصفقة على مقاس” مقاولات بعينها، في ظل ما يُروج عن استمرار نفس الأسماء في الاستفادة من عقود المجلس الجهوي، دون منافسة حقيقية أو إعمال لمبدأ تكافؤ الفرص.
انعدام المعايير وغياب النتائج
من أبرز ما يزيد الطين بلة، حسب متتبعين، هو غياب أي تقييم علني لنتائج صفقات سابقة في مجال التواصل بالجهة، بل وتكرار نفس العناوين دون حصر للمخرجات أو مؤشرات للنجاعة.
فهل قامت المجالس السابقة بنشر تقارير دورية حول أثر أنشطة الإشهار والتواصل التي صرفت عليها الملايين؟
وهل هناك أي دراسة تقويمية تبرر تخصيص أزيد من 116 مليون سنتيم من ميزانية التنمية لتسويق أنشطة لم تنجح أصلًا في الوصول إلى الساكنة أو تغيير واقعهم؟
تنمية رقمية في بيئة تفتقر للإنترنت
في مفارقة تُعري انفصام الرؤية التدبيرية، تُطرح هذه الصفقة الرقمية في جهة لا تزال عشرات جماعاتها تعيش على وقع ضعف أو غياب الربط بالإنترنت وشبكات الاتصال، فكيف سيتم التفاعل مع منصات رقمية لا تصل حتى إلى المستهدفين بها؟
بل كيف يمكن تسويق خطاب “التنمية عبر الشبكات” في قرى لا تصلها حتى تغطية الهاتف المحمول، ناهيك عن غياب الطرق والمراكز الصحية؟
سؤال الشفافية… ومتى يرد الجواب؟
لا يبدو أن مجلس الجهة، إلى حدود اللحظة، قد خرج ببيان يوضح فيه أسباب اعتماد هذا الغلاف المالي المرتفع، أو تفصيل المخرجات المتوقعة من الصفقة، أو حتى توضيح ما إذا كانت جزءا من استراتيجية تواصلية أوسع أم مبادرة معزولة.
وفي غياب ذلك، تبقى التخوفات قائمة من أن تتحول هذه الصفقة إلى حلقة جديدة في سلسلة “الإشهار الموجه” الذي لا يخدم إلا التلميع السياسي، ويُغيب عنه هموم المواطن وحقه في إعلام عمومي نزيه وشفاف.
من يُحاسب؟
يبقى السؤال المركزي الذي يتكرر في مثل هذه الوقائع: من يراقب أداء المجالس الجهوية؟ من يوقف نزيف الصفقات المشبوهة؟
وإلى أن تظهر آليات للمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، سيظل المواطن بدرعة تافيلالت يشاهد قافلة الملايين تمر من فوق ترابه الجاف، دون أن تترك فيه غير الغبار.
