هبة زووم – متابعات
يشهد المحور المغربي–الإسباني في الآونة الأخيرة حالة من التوتر الخفي، تغذيه دينامية التحديث العسكري المتسارع التي تعرفها المملكة المغربية، وما تثيره من نقاشات حادة في الأوساط السياسية والعسكرية الإسبانية.
ففي الوقت الذي تواصل فيه الرباط بناء منظومة دفاعية أكثر تطورًا وفعالية، تتصاعد أصوات القلق من الجانب الإسباني، وعلى رأسها زعيم اليمين المتطرف سانتياغو أباسكال، الذي حذر مؤخرًا من “تحول مقلق في ميزان القوى غرب المتوسط”.
أباسكال، رئيس حزب “فوكس”، عبّر عن خشيته من حصول المغرب على مقاتلات الجيل الخامس الأمريكية “إف-35″، معتبرًا أن ذلك “سيقوّض التفوق العسكري لإسبانيا ويهدد أمنها القومي”، خاصة في ظل ما وصفه بـ”الضعف المزمن” الذي تعانيه ميزانية الدفاع الإسبانية.
وزاد قائلاً إن المغرب لا يكتفي بتطوير قدراته الدفاعية، بل يسير بخطى حثيثة نحو امتلاك أدوات هجومية متقدمة، مدعومًا من شركائه الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
ويبدو أن القلق الإسباني لا ينبع فقط من الجانب التسليحي، بل أيضًا من السياق السياسي المصاحب له، إذ يُنظر إلى هذا التقدم المغربي بوصفه مرتبطًا بإعادة ترتيب أولويات السيادة الوطنية، لا سيما في ملفات شائكة مثل سبتة ومليلية والجزر الجعفرية.
فبينما تتبنى الرباط خطابًا محسوبًا وبراغماتيًا إزاء هذه القضايا، تلتقط مدريد إشارات متزايدة عن تحولات استراتيجية عميقة في العقيدة العسكرية المغربية.
صفقة الـ”إف-35″.. حقيقة أم تكتيك تفاوضي؟
في خضم هذا الجدل، كشف تقرير لموقع “تايمز أيروسبيس” المتخصص أن المغرب بات قريبًا من أن يصبح أول دولة عربية وإفريقية تتسلّم طائرات “إف-35” الشبحية الأمريكية، بعد أن وافقت إسرائيل — التي كانت تعارض ذلك سابقًا — على إتمام الصفقة.
ويقدّر التقرير أن الاتفاق المحتمل يشمل 32 طائرة، بتكلفة تقارب 17 مليار دولار، تشمل الدعم التقني والصيانة والبنية التحتية.
ويأتي هذا التطور في وقتٍ كثّف فيه المغرب من حضوره في المعارض الدولية للسلاح، ووسّع شبكة شراكاته الدفاعية مع قوى كبرى، على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل.
فقد شارك وفد مغربي رفيع المستوى في معرض “آيدكس” بأبوظبي، حيث تلقى إحاطات تقنية مفصلة من شركة “لوكهيد مارتن”، المصنعة لطائرات “إف-35″، ما يؤشر إلى جديّة الاهتمام المغربي بهذا النوع من التسلح الاستراتيجي.
تحديث عميق ومتوازن للقوة الجوية
حتى في حال تأخرت صفقة “إف-35″، فإن المغرب ماضٍ في تحديث منظومته الجوية، فقد حصل في وقت سابق على موافقة لاقتناء 24 طائرة من طراز F-16 Block 72، وهي من أحدث الإصدارات، إلى جانب تطوير أسطوله الحالي إلى النسخة F-16V، المزودة برادارات AESA وأنظمة حرب إلكترونية متقدمة.
كما تم تجهيز طائرتين من نوع Gulfstream 550 بقدرات استخباراتية واستطلاعية عالية، بشراكة أمريكية – إسرائيلية، ما يعكس تكاملًا عملياتيًا يُعزز قدرة المغرب على التحليل الاستراتيجي والمراقبة بعيدة المدى.
تتماشى هذه الخطوات مع توجه أوسع تسلكه الرباط منذ سنوات، يتمثل في توطين التكنولوجيا، وبناء قاعدة صناعية عسكرية محلية.
فالمغرب، الذي أثبت كفاءته في صناعات السيارات والطيران المدني، يسعى حاليًا لاقتحام مجال التصنيع الدفاعي، بهدف تقليص التبعية وتحقيق اكتفاء ذاتي تدريجي في أحد أكثر القطاعات حساسية.
سبتة ومليلية: الهاجس المستتر
لا تنفصل كل هذه التحولات عن ملف سبتة ومليلية، الذي يظل حاضرًا بقوة في الذاكرة السياسية الإسبانية. فبينما يلتزم المغرب بخطاب سياسي متزن ومقاربة غير تصعيدية قائمة على التنمية والربط اللوجستي، خاصة من خلال مشاريع كبرى كـميناء طنجة المتوسط وميناء الناظور، فإن الجانب الإسباني يُعيد تقييم معادلة السيادة في ضوء هذه المتغيرات المتسارعة.
وقد بدأت بعض الأصوات في مدريد تربط بشكل صريح بين التحديث العسكري المغربي و”مخاطر محتملة” على مستقبل الثغرين.
انقسام سياسي في مدريد.. وواقعية في الرباط
رغم تصاعد التحذيرات من التيارات اليمينية، تحاول الحكومة الإسبانية الحالية الحفاظ على علاقات متوازنة مع المغرب، قائمة على التعاون الاقتصادي، وتنسيق الجهود في ملفات الأمن والهجرة.
إلا أن هذا التوازن يبدو هشًا أمام انقسامات المشهد السياسي الداخلي في إسبانيا، الذي تتجاذبه رؤيتان: الأولى تدعو إلى واقعية براغماتية في التعامل مع المغرب كقوة صاعدة، والثانية تنطلق من هواجس تاريخية وأيديولوجية تعيد إنتاج خطاب المواجهة.
في المقابل، تمضي الرباط بخطى ثابتة نحو تعزيز استقلالها الاستراتيجي، وتوسيع قدراتها الدفاعية بعقلانية مدروسة، تحكمها أولويات السيادة الوطنية لا استعراض القوة.
وبينما تشتعل النقاشات في مدريد، يبدو أن المغرب قد رسم لنفسه طريقًا لا عودة فيه نحو بناء قوة توازن إقليمي جديد، ترسم ملامحه اليوم في الجو كما في الأرض والبحر.
تعليقات الزوار